ولما كان المؤلف ينعى على مواطنيه اهتمامهم بالشعر وما يتعلق به من بديع وبلاغة، فإنه رأى أن يرسم خطة تربوية تعليمية مفادها أن لكل مرحلة من مراحل عمر الإنسان علمًا بناسبها، فالشعر من العشرين إلى الثلاثين، وبعده التاريخ ثم الهيئة ثم الجغرافية... الخ.. على أنه يعود بعد ذلك، فيقر بفضل الشعر إذا كان حسنًا، ويورد أرجوزة للشيخ حسين الجسر تتضمن الحض على طلب العلوم، ثم ينظم هو نفسه قصيدة وعظية تدعو إلى مكارم الأخلاق. ويضرب بعد ذلك أمثلة من الشعر الرديء الذي لا ينبغي الاعتناء به حسب رأيه.
ولنا الآن أن نتساءل: أكان هجوم المؤلف على العلوم التقليدية منصفًا؟ وهذه العلوم التي هاجمها، هل هي حقًا سبب التأخير والتخلف والجهل؟!
إذا نظرنا بعين الإنصاف، وجدنا أن هذه العلوم كانت علوم قوم لم يكن لها غيرها في وقتهم، وما كان لهذه العلوم أن تعيق التقدم، أو تقف في سبيله، لو وجدت أسبابه وتحققت دواعيه، وتوفر له من ينهض بأعبائه، ولو أن المؤلف كان منصفًا ومتجردًا عن غضبه وانفعالاته، لذكر أن الأوربيين كانوا -وما زالوا- يعتنون بلغاتهم ونحوها وصرفها وشعرها وبديعها وبلاغتها، ويعقدون لها المؤتمرات، ولا يبخلون على بحوثهم فيها بجهد ولا مال، ومع ذلك فإنهم لا يرفعون عقيرتهم قائلين أن الاهتمام بالأدب واللغة يعيق التقدم ويسبب التأخر، فمن أين نبعت أفكار مؤلفنا؟