ويمضي الشيخ يخطِّئ النحويين الذين ردُّوا بعض القراءات، ويظهر تنكُّبهم سبيل الحق والصواب، وينعتهم بقلة الدراية بعلم القراءة، وسنرى ذلك فيما يأتي من هذا البحث.
موقفه من الاحتجاج بالقراءات المتواترة والصحيحة:
نستبين موقف الأستاذ الأفغاني من الاحتجاج بالقراءات المتواترة والصحيحة إذا عرضنا لبعض هذه القراءات التي كان للنحويين موقف منها لمخالفتها قواعدهم التي صاغوها، ونظرنا في رأي الأستاذ في هؤلاء النحويين.
فممَّا أُثر عن أكثر النحويين البصريين أنهم منعوا الفصل بين المضاف والمضاف إليه بالمفعول وغيره في سعة الكلام، وخالفهم الكوفيون فأجازوا الفصل بينهما بغير الظرف والجار والمجرور، واحتجوا بحجج منها قراءة ابن عامر قوله تعالى: (وكذلك زُيِّن لكثير من المشركين قَتْلُ أولادَهم شركائِهم (( 11) ، ببناء الفعل"زين"للمفعول، ورفع"قَتْلُ"ونصب"أولادَهم"وجرّ"شركائهم" (12) ، ولم يسوِّغ البصريون الاحتجاج بهذه القراءة"لأن الإجماع واقع على امتناع الفصل بين المضاف والمضاف إليه بالمفعول في غير الضرورة" (13) ، وهم"يذهبون إلى وَهْي هذه القراءة ووهم القارئ" (14) ، ومنهم مَن نبذ هذه القراءة ورماها، متعلِّلًا بقلَّة الفصل بين المتضايفين، وفي ذلك يقول أبو علي الفارسي معقِّبًا عليها:"ففصل بين المضاف والمضاف إليه بالمفعول به، والمفعول به مفعول المصدر، وهذا قبيح قليل في الاستعمال" (15) ومنهم ابن جني إذ قال بعد أن ساق قراءة ابن عامر السالفة:"وهذا في النثر وحال السّعة صعب جدًا، لا سيما والمفعول به مفعول لا ظرف" (16) .
إلا أن الزمخشري كان من أشدِّهم توهينًا لهذه القراءة إذ قال:"وأما قراءة ابن عامر: قتل أولادهم شركائهم.... فشيء لو كان في مكان الضروروات وهو الشعر لكان سمجًا مردودًا.. فكيف به في القرآن المعجز؟..." (17) .