فهرس الكتاب

الصفحة 20324 من 23694

وكنت كلما زرته وحاورته وجدته لديه شيئًا جديدًا واكتشفت سَعَة دائرته وبُعد غوره وإحاطته بأمور كثيرة تخص تاريخ سورية الحديث بجميع جوانبه، وسأسرد فيما يلي بعض ما سألته عنه وأجابني عليه كشواهد على ما ذكرت، وبعض انطباعاتي عنه على مدى سنوات طويلة.

(2) الأفغاني ومحمد كرد علي

وفي يوم من الأيام زرت الأستاذ الأفغاني في داره مساء، فرحب بي ترحيبًا عظيمًا وراح يعبّر عن سعادته بزيارتي ـ وهو الصعب المراس في نظر الكثيرين ـ وأخذ يتحدث عن نشر النصوص ومهنة الوراقة وأن الكثير ممن يعملون في هذين المضمارين قد أصبحوا من الدُّخلاء، وأن أخلاقية المهنة لدى الطرفين قد بدأت تتلاشى إلا عند من رحم الله، فما كان مني إلا أن حوَّلت الحديث إلى أمر يهمني لأكسب الوقت، ولكي لا أطيل الزيارة لعلمي أنه لا يحب السهر إلى وقت متأخر، فقلت له: يا أستاذنا الجليل: لقد اقترن اسمكم في أذهان الكثيرين بكتابكم"أسواق العرب"فهلا حدثتموني عن غايتكم من تأليفه وعن تاريخ صدور طبعته الأولى؟ فأجابني بقوله: "لقد كانت غايتي من تأليف الكتاب إعادة جزء من أجواء تاريخنا الغابر إلى أذهان علمائنا ومثقفينا وناشئتنا في ذلك الحين، لما كانت تمثله تلك الأسواق من أجواء يختلط فيها الجد بالهزل، وتغتنم الفرصة من قبل الأدباء والشعراء لعرض إبداعاتهم كعرض التجار بضائعهم، ولما كان يسببه ذلك من سرور وحبور، ناهيك عما يمثله الكتاب من جانب تاريخي ثقافي للحقب التاريخية التي ورد فيه الحديث عن أسواقها، وبالمناسبة فهناك حادثة جرت لي تخص كتاب"أسواق العرب"يحسن بي ذكرها لك، فقد زرت مرة الأستاذ الرئيس محمد كرد علي رئيس المجمع العلمي العربي وبيدي تجربة الطبع الأخيرة للكتاب وكنت قد تسلّمتها للتو من إدارة المطبعة الهاشمية، وكانت في آخر سوق الحميدية والمجمع العلمي قريب منها آنذاك، فسألني الأستاذ كرد علي عما أحمله بيدي، فقلت له: تجربة الطبع الأخيرة لكتابي "أسواق

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت