فهرس الكتاب

الصفحة 20323 من 23694

وحين دخلت داره في حي المهاجرين على سفح جبل قاسيون بدمشق وجلست إليه، بعد السلام والتحية، شعرت أنني أمام رجل كبير من طراز نادر، فقد سحرني للوهلة الأولى بعمق شخصيته وبريق عينيه، وبادرني بالسؤال عن صحة والدي وآخر أعماله العلمية، وكان والدي محلّ تقديره العظيم، ثم سألني عن سبب قدومي لزيارته، فأخرجت كتاب"إعلام السائلين"من الحقيبة التي كنت أحملها وعرضته عليه، وبيّنت له أن والدي أشار عليّ بعرض مقدمتي للكتاب عليه، فأخذ يقلّب صفحات الكتاب صفحة صفحة ويهز رأسه مع كل صفحة ينظر فيها، ثم نظر إليَّ وقال: سلِّم على أبيك وبلِّغه شكري على ثقته الغالية بي، وحدّد لي موعدًا لزيارة ثانية أتسلّم فيها الكتاب بعد أن ينظر في مقدمتي له، وفي الموعد المحدّد كنت بين يديه مرة أخرى، وبادرني بالترحاب والثناء والإشادة بما قمت به من تحقيق للكتاب وتقديم له، وأذكر أنه قال لي مبتسمًا: فَرْخُ البَطِّ عوَّامٌ يا عمّي، وأشار عليَّ ببعض الملاحظات النافعة فشكرته عليها شكرًا جزيلًا، وقدَّم لي نسخة من كتاب"الإجابة لما استدركته عائشة على الصحابة"للزركشي من تحقيقه لأحمله هدية لوالدي، وقال لي: أبلغ والدك مني السلام وانقل له رغبتي بأن ينظر في أحاديث الكتاب وأن يُخَرِّجها تخريجًا مفصّلًا إن أمكن، فحملت الكتاب وكتابي وانطلقت إلى والدي على عجل، وحين دخلت الدار بادرني مستفسرًا، وقال لي: أخبرني ما وراءك؟، فأجبته ً بقولي: الذي يسرّك يا سيدي، وحدَّثته عما كلمني به العلاّمة الأفغاني وعما قاله لي بشأن كتاب"الإجابة"فردّ عليَّ بقوله: الأفغاني عالم كبير وأستاذ جليل، ورغبته في أن أنظر بأحاديث كتابه تشريف لي يا بني، فالرجل في مقام شيوخي وإن لم يكن شيخي، ولم أنقطع بعد ذلك عن زيارة الأفغاني بين الفينة والأخرى إلى آخر حياته رحمه الله، وكان يتفضل عليَّ بزيارة مكتبي (3) كلما سنحت له الفرصة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت