ونص المقولة التي بين أيدينا مرآة صادقة تنعكس فيها هاتان القضيتان بكل أبعادهما، فالمؤلف يدعو مواطنيه ويحضهم على الإقبال على العلوم العصرية، والتمتع بالمخترعات الحديثة، ويلهب حماستهم بما يثيره فيهم من كوامن النخوة، بتذكيرهم بأجدادهم وعلومهم وفنونهم، ويثير مسألة الحضارة بالرد على بعض المتعنتين الذين لا يعترفون بفضل الحضارة الغربية ومخترعاتها الحديثة، وينسبون كل فضل لليونان، فيرد عليهم بما معناه: إذا كنتم تزعمون أن هذه المخترعات موجودة في كتب اليونان -وكتب اليونان عندكم منذ القديم- فلماذا لم تسبقوا الغرب إليها؟ ثم يقرِّعهم بقوله:"والحال أن اللوم لا زال منصَّبًا عليهم ونسبةَ الجهل ما برحت منحازة إليهم". ويبين المؤلف أن هذه الفئة قد تنسب إلى الكفر من يصدِّق بوجود بعض المخترعات العصرية، وقد رد على هذه الفئة أقوالها بكلام نفيس نقله من كتاب"تهافت الفلاسفة"لحجة الإسلام أبي حامد الغزالي.
ثم ضرب أمثالًا من الحقائق الجغرافية التي لا تؤمن بها جماعة المتعنتين وتحاربها، وأظهر استياءه من جهل هؤلاء القوم، وعدم مبالاتهم بحقائق الأمور فيما يتعلق بمختلف العلوم، ورد تعنتهم وجمودهم وحرصهم على الجهل إلى أسباب نفسية شخصية، لأنهم يحرصون على مكانتهم ويخشون أن يظهر جهلهم أمام علم الجيل الجديد، فهم يحاربونه بالمكابرة والسخرية والإنكار.
ثم شن الكاتب حربًا على الخرافات البالية التي يؤمن بها عوامُّ الناس ومن يضللونهم، فهم لا يصدقون العلوم ببراهينها القوية وأدلتها اليقينية، ولكنهم يعتقدون اعتقادًا جازمًا بخرافات ما أنزل الله بها من سلطان، كإيمانهم وتصديقهم لقصة الثور الذي يحمل الأرض، والحوت الذي يحمل الثور، ينسبون هذه الترهات إلى مصادر عالية ليوهموا أنفسهم وغيرهم بصحة اعتقادهم وصدق ادعائهم. وقد بينت في تعليقاتي على النص مصادر هذه الأخبار، مما يساعد على تمييز صحيحها من زائفها.