وقد نشأ خلاف بين المدرستين فكان علميًا في بدايته، وكما يقول سعيد الأفغاني:"ولم تدخل الدنيا بين المشهورين من رجال هذه الطبقة، فالخليل والرؤاسي مثلاًَ كلاهما صالح عفيف، ومتى خلت المناقشات العلمية ممّا يؤرّثها من حوافز المادّة أو الجاه، بقيت هادئة جميلة صافية" ( [11] ) ، ولكن تغيّرت الأمور بعدما قرّب العباسيون الكوفيين،"فوقفوا بالمرصاد للبصريين الذين يفوقونهم علمًا" ( [12] ) .
ويحصر الكاتب الفروق بين المذهبين البصري والكوفي في أمرين مهمّين وهما: السماع الذي عرفت به الكوفة، والقياس الذي اشتهرت به البصرة، ويعلّل كلّ ذلك بالأمثلة والشواهد. وقد قال يحيى بن المبارك اليزيدي وهو بصري:
كنّا نقيس النحو فيما مضى
فجاءنا قوم يقيسونه ... على لغى أشياخ قطْربُّلِ
فكلّهم يعمل في نقض ما ... به يصاب الحق لا يأتلي
إنّ الكسائي وأشياعه ... يرقون بالنحو إلى أسفل ( [13] ) .
ويدلي العلاّمة برأي طريف في المذهبين حيث يقول:"وبهذا لا يكون من الدقة -في رأيي -إطلاق النزعة السماعية على المذهب الكوفي، والنزعة القياسية على المذهب البصري. والدقة التي يؤيّدها التاريخ والإمعان فيه وفي أقوال الكوفيين والبصريين ألاّ يكون مذهب بصري يقابله مذهب كوفي، بل نزعة قياسية. ويختلف حظّ كلّ منها صحّة وحالًا ومقدارًا بين البلدين، بل بين نحاة كلّ بلد على حدة. على ذلك الأساس يصحّ أن نعيد النظر في النحو وتاريخه ورجاله، بهذا التصنيف الجديد، بعدما علمنا أنّ النزعتين تتمثلان على حقهما بالبصرة لا بالكوفة" ( [14] ) .
وختم ما سبق برصد بعض المسائل الخلافية بين المدرستين.
كما أعطى ملامح المدرسة البغدادية والأندلسية وذكر بعض أعلامهما ومؤسّسيهما.
أمّا في خاتمة هذا المحور فيرى الباحث"بعد التقصّي أنّه قد تضمّ البلدة الواحدة نحاة من منازع مختلفة، يطغى عليها أحيانًا مذهب أهل البصرة، وأحيانًا مذهب الكوفة تبعًا لنزعة العالم ذي الأثر فيها" ( [15] ) .