وقد وضع الكاتب الخارطة اللغوية للاحتجاج بالكلام العربي فعدّد القبائل التي يستشهد بلغتها، وكذلك الزمان الذي ينبغي عدم تجاوزه في الاستشهاد، ويقرّر:"أنّ إحداث اللحن حمل القوم على الاجتهاد لحفظ العربية وتيسير تعلّمها للأعاجم، فشرعوا يتكلّمون في الإعراب وقواعده حتّى تمّ لهم مع الزمن هذا الفنّ" ( [8] ) .
ويرى أيضًا أنّ المصادر تجمع على"أنّ النحو نشأ بالبصرة، وبها نما واتّسع وتكامل، وتفلسف، وأنّ رؤوسه بنزعتيه السماعية والقياسية كلّهم بصريون" ( [9] ) .
وهو لا يخالف من عدّ أبا الأسود الدؤلي (ت 67هـ) واضعًا للنحو العربي بدليل أنّه يقول:"ومن يقرأ بإمعان ترجمة أبي الأسود الدؤلي في (تاريخ دمشق لابن عساكر) مثلًا، ثمّ يفكّر في توارد أكثر المصادر على جعله واضع الأساس في بناء النحو لا يستبعد ذلك، فالرجل ذو ذكاء نادر، وجواب حاضر، وبديهة نيّرة، ثمّ هو بعد بليغ أريب، مرن الذهن، وحسبك اختراعه الذي عرف بنقط أبي الأسود للدلالة على الرفع والنصب والجرّ والتنوين، وهو ما أجمعوا عليه قديمًا ولم يشك فيه حديثًا أحد" ( [10] ) .
ثمّ يضع المؤّلف عنوانًا فرعيًا كالآتي: المدرستان الأوليان: وهما البصرة والكوفة، فيشير إلى الطبقة الأولى من البصريين، ومنهم عنبسة الفيل، ونصر بن عاصم، ويحيى بن يعمر، وكذلك إلى الطبقة الثانية ومنهم أبو عمرو بن العلاء وعبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي.
أما الطبقة الثالثة فمنها الخليل، وأبو زيد الأنصاري، وسيبويه، وأبو جعفر الرؤاسي الذي صار إمام الكوفيين، وخلفه تلميذاه الكسائي والفرّاء.
وتأسّست المدرسة الكوفية على ما تعلّمه العلماء عن البصريين مثل أبي جعفر الرؤاسي.