إنّ أوّل سؤال يضعه كلّ عازم على تأليف كتاب هو ما الغايات والأهداف التي من أجلها سيسهر الليالي ويراجع المصادر والمراجع لتأليف مؤلّف، والسؤال نفسه يطرحه من يقرأ هذا الكتاب أو ذاك، ويصرّح الباحثون بذلك -في أغلب الأحيان -في مقدّمة ما يكتبون، وهو ما نلمسه لدى سعيد الأفغاني حين سجّل:"فماذا يراد من كلمة"مذهب"أو"مدرسة"، حين يقال في علوم اللغة العربية، مذهب البصريين أو مدرسة الكوفيين؟" ( [5] ) .
إنّها مصطلحات جديرة بتوضيحها والتفرقة بينها وبخاصة عندما نؤلّف في تاريخ العلم. ومن هنا قال:"هذه الصفحات محاولة في وضع الأمور في نصابها حيال ما يسمّى بالمدارس أو المذاهب النحوية من جهة، ووقفة تاريخية فاحصة متروية عند نشأة هذا الفنّ من جهة أخرى" ( [6] ) .
إنّه يطلق على عمله"المحاولة"وهذا من تواضعه، وهو حكم يدلّ على اجتهاده في تصحيح بعض ما علق بأذهان القرّاء الكرام والدارسين، كما يجعل وقفته"فاحصة متروّية"وهما صفتان تبرزان عدم تسرّعه في إطلاق الأحكام على إسناد نشأة النحو لهذا العالم أو ذاك، أو لهذه المدرسة أو تلك، ولكنّه سيعالج المسائل بموضوعية وبما تتطلّبه المنهجية العلمية.
وللبرهنة على هذا التاريخ الطويل للنحو العربي يسرد مجموعة من النصوص من مصادر أساسية لعلماء أجلاّء يشهد لهم كلّ من جاء بعدهم بالشموخ والإسهام في بناء صرح مملكة النحو العربي.
بحوث الكتاب
تعرّض في التوطئة التاريخية إلى مكانة اللغة العربية في العصر الجاهلي والإسلامي في نفوس العرب وقلوبهم، واعتبر"اللحن الباعث الأوّل على تدوين اللغة وجمعها وعلى استنباط قواعد النحو وتصنيفها" ( [7] ) .
ويتتبّع تطوّر اللحن منذ ظهوره على عهد الرسول -صلى الله عليه وسلّم -حين لحن رجل بحضرته فقال:"أرشدوا أخاكم فإنّه قد ضلّ"مرورًا بعهد صحابة الرسول الكريم ثمّ الخلفاء الأمويين.