تدرَّجَتْ علاقتي مع الأستاذ سعيد الأفغاني منذ مرحلة الدّراسة عليه، على امتداد ثلاث سنوات غنيّة لا يُنْسى شيءٌ منها، ثم الاستظلال بِظِلّهِ وهو رئيس لقسم اللُّغة العربية وآدابها وأنا معيدٌ أُنَشَّأُ مع زملائي الذين اختارهم هو معيدين يجدّدون حياة القسم، ويكونون النسغ الجديد؛ وبعد العودة من الإيفاد، وهو رئيس للقسم وعميد لكلية الآداب حتّى أُحيل على التّقاعد سنة 1968. وبقيتُ على صلة به مع إمكان الظُّروف فقد كُتِبَ عليَّ السَّفر ضَرْبًا في الأرض، وسعيًا وراء الرزق، واستراحة من المُزعجات، وعَرَف أُستاذنا الاغتراب كبيرًا في السنّ بعد التقاعد: فقد استجابَ لعددٍ من الجَامعات في لُبْنَان، وليبية، فَنَهَضَ بأعباء التدريس والإدارة، وختمَ اغترابه بالتدريس في جامعة الرّياض وظلّ يدرس حتى بلغ الخامسة والسّبعين (ولد 1909 وتوفي 1997) .
لقد كانت مرحلة الدّراسة الجامعية الأُولى على يدي الأفغاني هي مَرْحلة التعلّم وحُسْن التلقّي من قِبلَنا نحن الطلبة، وكانت مرحلة التعليم الجامعي في أعلى مراتبه من قِبَلِه.
وكان التّفاهم على أَعْلَى دَرَجاتِهِ بين الأَفغاني وبين طلبته وطالباته: من مُعَلّمٍ ليسَ عنده غير الجِدّ في التّعليم، والرَّغبة المتمكّنة في التّفهيم، وإذا كان لكلّ طالبٍ من هذا المعلّم نصيبٌ فإنّه كان يَرْعى من بعيد: المتفوّقين من طلابه وطالباته، ويجتهدُ في معرفتهم، ويتابعهم عامًا بعد عام، ويَرْضى عن ظهور النّوابغ أو النابهين فيهم.
وكان هذا التّناغم والتفاهم بين المعلّم وتلاميذه قائمًا دائمًا بهدوءٍ وتلقائيّة، وتَراضٍ، وكأنّه عَقْدٌ في وثيقة مكتوبة، وعهد مُبْرَم، وصكّ مُوثّق!..