كان أوّل درس جامعي حَضَرْتُهُ من محاضرات قسم اللغة العربية من كلية الآداب أوائل العام الدراسي 1956-1957 درْسًا في النحو في القاعة الرابعة في المبنى القديم للكلية (الثكنة الحميديّة قديمًا) وكان المحاضر هو: الأستاذ سعيد الأَفغاني -وقد عَرَفْنا اسْمَهُ من جَدْوَلِ المُحَاضرات-: رجل معتدل القامة، إلى القِصَر أقرب، بَدَا في وجهٍ أَبيض مشربٍ بحمرة، أَخذ الزَّمنُ من شعر رأسه كما أَخذَ من سواد ذلك الشّعر. وتمكّن من جلسته، ووَزّع نظراته على الطلبة، وتحدّث بحيث يسمعه الحاضرون وهم سُكوت. وأَلْقَى حديثه بهدوء وأناة، ومَزَج الحديث بابتسامةٍ طبيعيّةٍ تنمّ عن ذاتِه الشخصية، وخُيّل إلينا أنه مفطور على هذه المظاهر التي رأيناها فيه منذ مُقتبل حياتهَ!.
كان عَدَدُ الحضور من الطّلبة في ذلك اليوم قليلًا، كالعادة في أيّام التدريس الأُولى، فجَعل الأستاذ الأفغاني الدّرْسَ فرصةً لِعَرْض الخطة الدرسية للنّحو في ذلك العام، وأشارَ علينا باقتناءِ الكتب المطلوبة، وأجْرَى بعضَ التدّريبات الإعرابيّة حتى لا يخلو الدرسُ من فائدة، من أوّل يوم دراسي. وأَذكرُ أنّه كتب على اللّوح قول جرير:
تَمُرُّوْنَ الدِّيارَ ولم تَعُوْجُوا * * * * * كلامكمُ عليَّ إِذَنْ حرامُ!
وسأل عن خَللٍ في البيت: أين هو؟ وما وجهه؟ فاستأذنتُ للإجابة وقلت: إن البيت يعطف ماضيًا (لم تعوجوا) على مضارع (تمرّون) وهذا لا يستوي. فَأَعجبه الجواب، وسأَل عن اسْمِي؛ وقال لنا إِنّ رواية الدّيوان:"مررتم بالدّيّار..."هي الوجه، وردَّد علينا مذهبه في الأُصول المقرّرة، المعتمدة عنده، في النحو؛ المُثبت في صدر كتابه:"مذكرات في قواعد اللغة العربية".
ومنذ هذا اليوم الأوّل من لقائي بالجامعة، ومحاضرات قسم اللغة العربية شَعَرْتُ بِأنه سيكون لي ارتباطٌ-قاعِدَتُه العِلْمُ والتعلّم- مع هذا المعلّم الذي افْتَتح لنا دروس الجامعة، وانْتَظَرَنا في محرابها.