فهرس الكتاب

الصفحة 20253 من 23694

واستمر المربد في العصر العباسي، على شيء من الاختلاف عما كان يؤديه في العصر الأموي، وتبدلت الحياة الاجتماعية للناس، وظهرت العلوم تزاحم الأدب والشعر، وبدأ الفساد واللحن يسريان إلى اللغة فتحول المربد ليؤدي غرضًا يتّفق وهذه الحياة الجديدة، وأصبح مقصدًا للأخذ عن الأعراب: اللغة والشعر والأخبار لتدوين ذلك كلّه، فيقصده أمثال بشار بن برد، وأبي نواس، والأصمعي، وأبي عمرو بن العلاء. وخرج النحويون ليسمعوا من أهل المربد ما يصحح أغلاطهم، ويؤيد مذاهبهم، من كوفيين وبصريين، كما خرج الأدباء ليأخذوا الأدب، من جُمل بليغة، وشعر رصين، وحِكم وأمثال، مما خلّفه عرب البادية أو توارثوه عن آبائهم، كما فعل الجاحظ.

كل ذلك نجده في المربد الذي أصبح أيضًا مَنشَرةً للمحامد والمساوئ، لتكون أشْيَع وأسْيَر وأبلغ في الإرضاء والإغاظة. كما كان المربد مسرحًا لدعوات سياسية ودينية واستغاثات وشكوى ورثاء وفخر، كما كانت سوق عكاظ. وكان أحفل أيام المربد في النصف الثاني من العهد الأموي، والثلث الأول لعهد العباسيين.

وبعد أن أوفى الأستاذ الأفغاني على الغاية من الكلام على سوق المربد، راح يسرد مشاهد ونصوصًا قديمة تكمّل صورة هذه السوق على اختلاف المناحي والغايات، ولا سيما في الفترة الخصبة والحافلة التي سبقت الإشارة إليها. وكان عدد ما أورد من النصوص والأخبار والمشاهد تسعة عشر، وكلّها حافلة بما كان يجري في المربد من حوادث ومواقف غنية وطريفة. (424ـ 452) . فمن ذلك خبر أورده بعنوان"مجنون في حب". وهو منقول عن أمالي القالي، رواه أبو علي بسنده عن محمد بن أبي نصر، قال:

"رأيت بالبصرة مجنونًا قاعدًا على ظهر الطريق بالمربد، فكلما مرّ به ركْبٌ قال:"

ألا أيّها الركب اليمانون عرّجوا

نسائلكم هل سالَ"نَعمانُ"بعدكم؟ ... وحُبَّ إلينا بطن"نَعمان"واديا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت