وهذه السوق تقع حوادثها ونشاطها بين سنة 36 هـ (في أول خلافة الإمام علي) وأواخر القرن الثاني الهجري (في خلافة الأمين بن هارون الرشيد) ، إذ اضمحلّ شأنها مع سوق حُباشة آخر أسواق الجاهلية انقراضًا وزوالًا.
ولهذه السوق"المِربد"أثر بعيد في اللغة العربية من وجوه كثيرة فاقت فيها أثر عكاظ. وكانت تعج بأعلام اللغة والأدب والشعر والنحو، الذين يفدون على المربد ومعهم محابرهم ودفاترهم يكتبون عن فصحاء الأعراب هناك، بعد أن انتشر اللحن والعجمة، وبدأ التدوين والتأليف على نطاق واسع. وكذلك الشعر وحلقاتُه، فلكل شاعر حلقة، ولكل متهاجين مجلس، ولكل قبيلةٍ نادٍ وشاعر يذود عنها.
ثم إن المربد يتفرد بأنه رفدَ اللغة بمادة كثيرة، عليها أسس النحاة قواعدهم وضبطوها عن طريق الاتصال وملازمة فصحاء الأعراب للاستفادة والتعلم. فكان المربد ينبوعًا ومصدرًا لأكثر موادّ كتب الأدب واللغة والأخبار: كالأغاني، والأمالي، والبيان والتبيين، والكامل...
وهكذا جمع المربد بين التجارة والأدب واللغة والسياسة والحرب أيضًا، إذ كان مسرحًا لموقعة الجمل، وثورة عبد الرحمن بن الأشعث أيام ولاية الحجاج على العراق، وفي المربد ألقى ابن الأشعث خطبه في حضّ الناس على الثورة. واتسع أمر المربد وكثر قاصدوه وازدان بأفحل الرجّاز والشعراء الذين أخرجهم العهد الأموي: كجرير والفرزدق والأخطل والراعي النميري، ومن الرجّاز: أبو النجم العِجْلي، ورؤبة وأبوه العجّاج.