ولكنّ سوقًا واحدة نشأت في الإسلام، واحتفظت بكثير من خصائص أسواق الجاهلية، وزادت عليها بميزات واسعة، جاءت بها الحضارة الجديدة والرقي المستحدث، تلك السوق هي سوق المِرْبَد في البصرة. وقد استطاعت هذه السوق أن تصهر الحياتين معًا: الجاهلية والإسلامية، في بُوتقة واحدة لتصوغ منها هذه الحلية العجيبة.
كانت هذه السوق إذن تُقام في مدينة البصرة، وهي سوقها العامة. ولهذه المدينة (البصرة) مكانتها التجارية، فهي ثغر العراق في الإسلام، بعد أن استُحدثت وخُطّت سنة 17 هـ بأمر من الخليفة عمر بن الخطاب، وكانت موضع اهتمام الخلفاء من بعده حتى عُدّت من أكبر ثغور الإسلام قاطبةً، ومن أغنى المدن وأحفلها بأسباب الحضارة والرقي، وهي ميناء العراق الأكبر، وسوق العراق العامة.
ولا ننس هنا أن نشير إلى شهرتها الأخرى، وهي ما استفاض فيها من علوم ولغة وأدب وشعر حتى صارت تُقصد لذلك من دون سائر البلاد، وكثر فيها العلماء والشعراء والأدباء والكتّاب والفقهاء والقُرّاء كثرةً تستعصي على الإحصاء. ويكفي أنها أظهرت ثلاثة من فرسان البلاغة والعبقرية الذين تشاركوا في صفتها وهم: خالد بن صفوان التميمي، والخليل بن أحمد الفراهيدي، والجاحظ.
وقد اشتهرت البصرة بسوق المربد الموسمية، التي ورثت سوق عكاظ، وقضت على ما كانت تتمتع به من ميزات منذ عصر الراشدين فما بعده، حتى أصبحت"عكاظ الإسلام".
كان موقع المِربد في الجهة الغربية من البصرة إلى البادية، ليكون أول ما ينزلون به إذا قصدوا البصرة، وآخر ما يتركون إذا رحلوا عنها. ومعنى"المِربد": مَحبِس الإبل ومربطها، وبيدر التمر. ويبدو أنه كان في الأصل كذلك، ثم صار في العصر الأموي سوقًا عامة كسائر الأسواق الموسمية في الجاهلية: من تعاطي البيع والشراء، وسماع الشعر والأدب والخطب واللغة، إلى جانب تفاخر الأشراف، وتهاجي الشعراء وتشاور الناس، وإحياء ما أماته الإسلامُ من حمية جاهلية وعداوات وثارات.