وإذْ يصدر كتاب عن الأفغاني رحمه الله، فإننا نكبر هذه الالتفاتة الطيبة من الأستاذ المبارك طاب ذكره، لرجلٍ لو أراد لنفسه الدعاية والأضواء لكان له القدح المعلّى، والمؤلف هو أحد تلامذة الأفغاني رحمه الله، تتلمذ له في مدارس دمشق وجامعتها، ثمّ صار زميله بعد تعيينه في الجامعة؛ لذلك فهو من أكثر الناس قربًا له ومعرفة بشخصه، يكتب عنه ورقات عجلى مهمّة لا يريد بها"مجاملة له، ولا محاباة لحزبه، وقد كان حزبًا وحده"، بل يكشف من خلالها صفحة من تاريخ هذا الرجل الذي يكاد يكون كلّه متّصلًا بالعلم والثقافة والأدب، لا يكلّ ولا يملّ، في فترة كثر فيها الخصوم وأدعياء الثقافة.
يقول المؤلّف في المقدّمة:"وأنا اليوم أكتب عن رجل أعرفه، وأكتب ممّا أعرف، لا أنقل عن كتاب فأعزو إليه أو أوثّق حديثي منه، ولكنّي أغمس قلمي في عاطفة شدّتني إليه، لما رأيته فيه من رجولة وعلم وفضل، ولما عرفته من جرأته وصراحته، وما شهدته من سلوكه واستقامته، وترفّعه عن الصغائر، وعدم مبالاته بما ينبهر به غيره...".
وليس هذا الذي ذُكِر من قبيل المبالغة في المدح والإطراء، من تلميذ أحبّ فكتب في أستاذ مات وقضى، فلك أن تطلّع على تراث هذا العالم ـ وهو ضخم جدًّا ـ لترى نفسك في النهاية أمام ظاهرة فريدة، وعالم مَعْلم، صَحِب الكتاب والقلم وانقطع لهما، في حين ولّى غيره إلى حيث الشّكل والقشور.
أما الفصل الأوّل، فقد جاء بعنوان"لمحات من حياته"، تحدّث فيه عن جوانب أربعة: ولادته ونشأته، ورحلته العلميّة، وحياته الاجتماعيّة، وأفرد بعض صفحات لرفيق دربه وعديله الشيخ علي الطنطاوي رحمة الله عليهما.