فهرس الكتاب

الصفحة 2021 من 23694

كنا قد قلنا أن الزهراوي ضد كل أنواع التعصب الديني والجنسي (القومي) ، وبينا فيما يتعلق بالاختلاف الجنسي كيف أنه كان منصفًا عادلًا لا يطلب لقومه ما لا يطلبه لسواهم. وكيف أنه قرر أن من حق كل جماعة (شعب) أن تطلب المجد والرفعة والسؤدد، وأن تسعى ليكثر فيها العلماء والأدباء والمفكرون... والذي يهمنا الآن أن نسلط الضوء على موقف الزهراوي من التعصب الديني. والزهراوي وإن كان يحمل على رأسه عمامة علماء الدين الإسلامي إلا أن عقله كان أوسع بكثير من أن يحده التعصب المقيت"ما أسبق الناس، كلما حدثت حادثة... إلى تحريك سلاسل الدين، وما أكثر نسيان الناس للتجارب. ينسى الناس سيئات أنفسهم، وخطيئات حكوماتهم، ويعمدون إلى ادعاء أن عدوهم لم يتهجم عليهم إلا لأنهم مخالفوه في الدين... وينسى الناس أن وطننا مؤلف من أقوام دياناتهم متخالفة، وأنه ليس من الحكمة، ولا من اللباقة الفزع إلى النعرة الدينية" (75) .

لذلك فهو يرفض أن تكون الحروب التي تشنها أوربا في ذلك الحين على الشرق، حروبًا دينية محضة. فهو يعيدها إلى أسبابها الحقيقية"اللهم هل هذا كاف في تذكير الناس أن هجوم الغرب على الشرق ليس هو هجوم دين على دين، وإنما هو هجوم قوة على ضعف، وعلم على جهل، وغنى على فقر. فانظروا وتساءلوا لماذا أنتم ضعفاء" (76) .

مع العلم أن الزهراوي قد فطن إلى استغلال أوربا للدين وكيف تموه حقيقة مطامعها بثروات الشرق وأسواقه وتغلف كل ذلك ببراقع مقيتة وتدعي حماية المسيحيين. وهو يجادل الأوربيين بأن الخلافات التي تحدث بين الجماعات لا يمكن أن تعود إلى اختلاف الدين"كيف ننسب تعدي بعض المسلمين على بعض المسيحيين إلى الدين؟ وننسى الذي يقع مثله ألف ألف مرة من تعدي المسلمين على المسلمين. لعمرك نحن أكثر إنصافًا، إذ لا ننسب ما نعرفه من أحوال هؤلاء الأوربيين إلى دينهم، كما ينسبون أحوال بعض أفراد أو طوائف منا إلى ديننا" (77) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت