قلنا إن الزهراوي يمقت التوقع ضمن أوهام التعصب، وكان عنده من الثقة بنفسه وقومه ما يجعله غير هياب من الانفتاح على الآخرين"إن ما عندنا من النور يكفينا ويكفي العالم للسير على المسالك الصالحة لاجتماع الشعوب" (69) ولكنه مع ذلك ليس متزمتًا في الاغترار بهذا النور كما يفعل بعض الجامدين. بل إنه يدعو إلى أن يحتكم المرء إلى عقله في كل الأمور، دون أن تلهبه عن ذلك ضجة الشعارات المحيطة به، ودون أن تخدعه العواطف المتأججة، لأنها وقتية سرعان ما يزول أثرها"أما الذي يترك الباقيات الصالحات من الآثار فهو تجاوب العقول والعزائم" (70) ولذلك فالزهراوي لا يعول كثيرًا على شنشنة الخطب الحماسية والمقالات النارية التي تدبجها الجرائد. إنما يعقد الأمل على"غلبة المستمسكين بالعلم الصحيح على المستمسكين بعقول غيرهم" (71) لذلك فهو يعيب على الكثيرين"أخذهم على العمياء"أقوال سواهم دون تمحيص أو روية..
وبالرغم من زيه الديني ومن ثقافته الدينية لا يتورع عن الدعوة إلى الأخذ بعلوم الغرب والاستفادة من تجاربه. ويدعو أبناء قومه لئلا تشغلهم عداواتهم مع الأوربيين عن الاستفادة منهم.
"لا نقول إن أوربا لا يأتينا منها شر، وإنما نقول قد أتانا ويأتينا مع شرها خير. فعلينا أن نعد أنفسنا بالعلم الصحيح، والذوق السليم، لتمييز خيرها من شرها. وعلينا إذا ذكرنا أبواب شرها ألا ننسى أبواب خيرها، فإن هذا أقرب إلى ما يسمى بالإنصاف" (72) وهو يذكر بما استفاده الشرق من أوروبا"ومن مظاهر رقي الأمة، انتشار المعارف والفنون الحربية. ومن ذلك انتشار الأفكار بواسطة المدارس، والصحافة، وتقدم الصحافة والطباعة، وكل ذلك مقتبس من أوربا" (73) .
التنديد بالتعصب (74)