وإذا كان الاتحاديون قد أشرعوا سيف التسلط والإرهاب بحجة حماية وحدة البلاد فإن الزهراوي وإن كان مع الاتحاد العثماني إلا أنه يرفض كما سبق وذكرنا أن يستأثر الآخرون بالسلطة والسيادة والقيادة من دون قومه العرب. بل إنه لا يرضى أن تستأثر أية جماعة أيًا كانت بشيء من دون بقية الجماعات وهو يرى أن المنهاج اللائق الذي يحقق ذلك هو النظام البرلماني فقد كان شديد الإيمان بنجاعة هذا النظام لأنه يكفل لكل إنسان من حيث هو كذلك، وبغض النظر عن أية اختلافات، حقوقه وكرامته وعزته وحريته، ولاسيما حرية القول. مما يجعل الطريق ممهدًا لمشاركة كل فرد في شؤون أمته ووطنه.
الدعوة إلى العدل:
كان من الطبيعي والمنطقي أن تقود مقاومة الزهراوي للاستبداد، ودعوته إلى الحرية. إلى أن يكون داعية من دعاة العدل.
وتمشيًا مع فكرة المنفتح على الإنسانية، فإنه لم يكن يطلب العدل لنفسه أو لقومه فقط. بل كان يسعى لأن يشمل العدل كل الأقوام والجماعات. وكان يعتقد أن المجتمع الذي لا عدل فيه يسير إلى الخراب"أي والله إلى المذلة والبوار ينقلب المجتمع الذي لا عدل فيه. وهذا هو الذي يجعلنا ندخل هنا العدل مع بحث حب النفس والتعصب. فإن من أحب نفسه وقومه ودينه وكل ما هو من توابع حب نفسه. كان من البديهي أن يرجو لكل هذه الأشياء العزة وطول البقاء ومتى علم أن العزة والبقاء يرافقان العدل، والذلة والبوار يصحبان الظلم، كان أحب شيء إليه العدل، وأبغض شيء إليه الظلم، وحينئذ يكون تعصبه للعدل، وبالعدل، ومنتجًا للعدل" (67) .
وهو يدعو الفئات القليلة إلى عدم الجزع إذا كانت تعيش في وسط يعمه الظلم، وينعدم فيه العدل ذلك أنه يرى ببصيرته النافذة (أن المحيط الذي لا عدل فيه، لا ينبغي أن يجزع القليلون فيه على أنفسهم، فإن أولئك الكثيرين الذين فيه لاحقون بهم إلى الذلة ثم البوار، وبئس القرار"(68) ."
الدعوة إلى العلم، والاستفادة من تجارب الآخرين: