الثانية: لقد كان أمر المسلمين عجبًا من العجب: امتلأت نفوسهم بكل ما حباهم ربهم من خير في الإسلام، فأحسنوا فهمه، وأحسنوا العمل به، وأحسنوا الاستجابة لرسوله نساءً ورجالًا، فوطدوا أركانه في الجزيرة العربية، ثم انتقل رسول الله إلى جوار ربه، واندفع هؤلاء الصحابة الأخيار يريدون إعلاء كلمة الله والحق، وإنقاذ عباد الله من كل الأجناس والأديان، من شرور الظلم والجهل وامتهان الإنسان، فحرَّر الله على أيديهم أقطارًا وشعوبًا كثيرة.
أرأيت ما يفعل الخلاف في الدولة القوية المتماسكة المتينة الأساس، إنه يُطمع فيها حتى الضعيف المغلوب المشرف على الدمار.
ولو أن هذه القوى المتطاحنة يوم الجمل وصفين اجتمعت على الخير، فسارت إلى عدوها في الشرق والغرب، لأكلت الدنيا بقوتها، ولأحالت العالم جنة يتحدث بنعيمها وسعادة أهلها الركبان. لكن الله الذي أيد هذه الأمة أول أمرها، قضى أن يكون بأسها بينها، فامتلأ تاريخنا بالحروب الداخلية وتحول عن مجراه السعيد الذي جرى فيه أولًا لخير الإنسانية عامة.
انقضت الخلافة والخلاف بخيرهما وشرهما، ولم يبق منهما إلا هذا التاريخ بين أيدينا مملوءًا بالعبر، فلنتعظ به، ولنتجنب أية تفرقة بيننا بكل ما نستطيع، ولتكن الدماء الذاهبة ضياعًا حافزة لنا على الوحدة وجمع الكلمة، فلا نعيد جَذَعة.
أهم المراجع
1ـ الأعلام، خير الدين الزركلي، الطبعة الثانية، القاهرة، 1378هـ/1959 م.
2ـ تاريخ الإسلام السياسي والديني والثقافي والاجتماعي، الدكتور حسن إبراهيم حسن، مكتبة النهضة المصرية، الطبعة السادسة، 1961م.
3 ـ التاريخ السياسي للدولة العربية ـ عصور الجاهلية والنبوة والخلفاء الراشدين، الدكتور عبد المنعم ماجد، مكتبة الأنجلو المصرية، مطبعة الرسالة، عام 1956م.
4ـ جزء خاص بترجمة السيدة عائشة من سير النبلاء، تحقيق سعيد الأفغاني، دار الفكر بدمشق، الطبعة الثانية، 1390 هـ/1970م.