وآن لي أن أقول: إن الإمام علي محق، وإن أصحاب الجمل لمخلصون صادقون، وإنها لفتنة عمياء حرّض عليها الأمويون، وتابع تنفيذ المؤامرة السبئيوّن اليهود، الذين ولغوا في دم عثمان، وأنّى لأهل الإخلاص والصفاء ولرهينة الهودج أن يدركوا كيد المخططين وخبث المتآمرين، وحقد المعادين؟! وكان الأولى بعائشة ـ لولا إرادة الله ـ أن تلزم المدينة مع بقية أمهات المؤمنين، فإن السياسة، وطوفان الفتنة، والتآمر على الجماهير صنعة وخبث وخسة وفسق، لا تكاد أي امرأة مهما عظمت أن تدرك أفانين المؤامرة أو تستوعب سيل الفتنة الجارف، أو تلم بمخططات المتآمرين.
قال الأفغاني رحمه الله:
رحم الله أم المؤمنين، فقد كانت المرأة الفذَّة في التاريخ: تزعمت (معارضة سياسية عنيفة) وزحزحت خليفة، وحاولت نصب خليفة، وزعزعت أركان خليفة، وقادت جموعًا، وخاضت حربًا، ثم أرادت تجنب القتال، فخرج الأمر من يدها إلى أيدي غوغائها، شأنها في ذلك شأن علي... وكان ماكان مما ترتعد له فرائض كل مسلم، كلما ذكر فتنة الجمل وما استتبعت من ويلات.
عبرة الحوادث:
أورد الأستاذ المرحوم سعيد الأفغاني عبرتين اثنتين من تجربة عائشة ومغامراتها السياسية وآثارها القريبة والبعيدة في حياة المسلمين(24(:
الأول: أن المرأة لم تخلق قط لتدسّ أنفها في المنازعات السياسية، إن لها أن تنصح وتبصر القريبين منها بعواقب الأمور، وليس لها أن تشارك في القلاقل والاضطرابات والفتن، إن بيدها مفاتيح خطرة في التأثير في نفوس الجماهير، وفي استغلال حميتهم ونخوتهم ومشاعرهم، وهذا السلاح غير حميد في العواقب، ولا يصح استعماله بحال. ولولا موقف السيدة عائشة في أمر عثمان ثم المطالبة بدمه من بعد، لتغير مجرى الحوادث في تاريخنا التغير كله، ولسارت سيرًا مأمونًا مطرد الرقي مباركًا، فيه الخير كل الخير للأقطار الإسلامية.