ولكن الانتظار طال وطال بالزهراوي وبالمواطنين دون أن يتغير شيء. بل إن الاتحاديين قد انحرفوا بالانقلاب إلى دروب مظلمة من التعصب الأرعن. وبقي الظلم والاستعباد، بل زادًا. عندما رفع الزهراوي صوته من جديد منددًا بالظلم:"الذين كانوا يعلمون عبد الحميد دروس الاستبداد، والذين كانوا يعملون بأمره كل شيء، ما جاز ومما جاز ومما لم يجز، والذين كانوا من عبيده الصغار ومن عبيد عبيده، والذين كانوا من السعاة والوشاة له بحق الأبرياء، والذين كانوا يتمنون أن يكونوا من مقبلي أعتابه، وخدام أبوابه، كل هؤلاء رأيناهم يتسنمون مقامات عالية متنوعة في هذا العهد أيضًا. رأينا الذين كانوا معروفين بالرشوة لا يزالون في مراكزهم. والموصوفين بالجهل ما فتئوا في مواقعهم. أما العدد القليل الذين طردوا إذ ذاك فقد تبين فيما بعد أنهم لم يطردوا لأنهم جهلاء أو مرتشون، بل كان ذلك انتقامًا منهم لبعض الأشخاص. ثم تبين أن من دخلوا حديثًا في الوظائف هم من قبيل أولئك الذين تقدموهم. كان الناس قد سئموا من موظفين مغرورين، منفوخين بمن ينتمون إليه من بعض كبار الرجال في العاصمة. وقد رأينا عدد هؤلاء المنتمين زاد أضعافًا مضاعفة، إذ قد فتح لهم باب جديد، أوسع من الأبواب السابقة. وهو باب الجمعية"جمعية الاتحاد والترقي" (58) . وزاد في الطين بلة انحراف بعض الذين كانوا بالأمس من أشد الدعاة إلى الدستور فبعض الذين كانوا يكافحون الظلم والاستعباد أيام السلطان عبد الحميد بعد أن أتيح لهم القفز إلى مراكز السلطة إذا بهم"أميل إلى ما كانوا يقاومونه، وأحرص على ما كانوا يزهدون فيه وأكثر استعدادًا له" (59) "وإن نفرًا من الذين كانوا يطلبون الدستور أيام كانوا فقراء صعاليك لا يؤبه لهم، أصبحوا يدرسون الدستور، ويهتكون حرماته، لما اعتلوا بفضله وصاروا أغنياء. وهم لا يزالون يقولون نحن أنصار الدستور" (60) وما أشبه الليلة بالبارحة."