وأن سمة العلم والملك متوارثة فيهم، وأنهم أشد الناس اعتناء بخزائن الكتب، حتى إن الواحد منهم يملك خزانة كتب لا يفقه محتواها، لا لشيء إلا ليقال إن في بيت فلان كتبًا وأنهم يتميزون بعزة أنساب ورقة آداب، وأنهم أشدّ اشتغالًا بفنون العلوم وافتتانًا في المنثور والمنظوم ( [23] ) ، ويورد المقري رسالة الشقندي ـ نقلًا عن أبن سعيد ـ في ذكر بعض علماء الأندلس، والفنون التي برعوا فيها، وذكر أبطال حروبهم. والرسالة موجهة إلى كل من فضّل بلاد العدوة على بلاد الأندلس.
إنها سِمات البلد المتطور المتحضر وخصوصيات أهله، فالعلم هو مقياس الرفعة، والجهل هو علامة الدنو والانحطاط. إن قومًا هذا دأبهم وهذه قناعتهم لجديرون بكل إكبار وتقدير. وعن مكانة الدين لديهم ومدى أدائهم لفروضه، من قلب العامة والخاصة، يورد المقري فقرة في هذا المجال، يؤكد فيها أن أداء قواعد الدين لديهم تختلف بحسب الظروف والحكام،"ولكن الأغلب عندهم إقامة الحدود، وإنكار التهاون بتعطيلها، وقيام العامة في ذلك وإنكاره إنْ تهاون فيه أصحاب السلاطين" ( [24] ) . وأن أهل الأندلس من العامة لا يعبؤون بسلطان لا ينهى عن المنكرات، فقد يدخلون عليه قصره، ويُخرجونه من بلدهم دون خوف أو وجل،"وأما الرجم بالحجر للقضاة والولاة للأعمال إذا لم يعدلوا فكل يوم" ( [25] ) .
وأما عن حياتهم الاجتماعية فهي في مقام عال، لهم ولع بإظهار الرفاهية وتخلق بالآداب، وهم مولعون بالترف والنعيم والمجون ومداراة الشعراء خوف الهجاء. وإن المال عندهم موفور، ويقال عن أهل المرية إنهم أكثر مالًا وأعظم متاجر وذخائر في كل بلاد الأندلس. وقد كان ملوك الأندلس أسخياء على الإنفاق في العمران وغيره، من ذلك أن الملك الناصر كان ينفق على مدينة الزهراء ثلث ميزانية الدولة.