وهذا القول يحيلنا مباشرة إلى قول الحلاج:"من التمس الحق بنور الإيمان كان كمن طلب الشمس بنور الكواكب". إلا أن (الإيمان) هنا ليس العقل بالتأكيد، أو على الأقل ليس العقل البرهاني، بل العقل البياني، فثمة حجاب آخر أمام العرفان غير حجاب العقل، هو حجاب الشريعة عبر تحنيط نصوصها، والسهروردي هو الآخر لا بد أن يكون قد عانى من الفهم الجامد للنص الشرعي، ولذا"كان لا يتقيد في مناقشاته بالنصوص، بل كان يعتمد على الحجة والعقل" ( [55] ) وفي (لغت موران) تتهم الجن الهدهد بالجهل والحماقة لأنه قال:"إننا عندما نتصور الأشياء نصلها بذواتنا فيشير الوحي على الهدهد عندها بمخاطبة الناس على حسب فطنتهم.. [فأطبق] الهدهد عينيه على الأثر وقال: الآن أصبحت أعمى مثلكم" ( [56] ) ، وهذه إشارة ذكية إلى إشكالية اللغة في نقل المعرفة بشكل عام، وإلى وظيفة الشريعة في مخاطبة العامة بشكل خاص، حيث يغمض الفقيه عينيه عن العرفان ليتواصل مع العامة وفق القواعد الشرعية المتعارف عليها.
هكذا يكون قد اتضح طريق المعرفة عند شيخينا، وهو طريق العرفان، ولكن أليس من تراتبية في هذا الطريق؟ وإذا كان الأمر كذلك فما هي أعلى درجاته؟
مع النهايات نصبح على تخوم التصنيفات التي وضعناها لتيسير البحث النظري حيث جزأنا القضية الواحدة إلى مباحث في الوجود والمعرفة والقيم، والآن ستتضح وحدة المسألة في نهاية طريق العارفين عند السهروردي، وهي:"مقام الفحول من الأنبياء والحكماء.. حين يصلون إلى هذا المقام تفنى لديهم كلمات هو، وأنت، وأنافي بحر الفناء."