وهناك تسقط الأوامر والنواهي" ( [57] ) . والفناء كموضوع وجودي ومعرفي وقيمي يقع في صلب الفكر الحلاجي أيضًا، وهذه فقرة لطيفة من (طاسين الفهم) نختم بها مبحث المعرفة:"الفراش يطير حول المصباح إلى المصباح، ويعود إلى الأشكال يخبرهم عن الحال بألطف المقال، ثم يمرح بالدلائل طمعًا في الوصول إلى الكمال. ضوء المصباح علم الحقيقة، وحرارته حقيقة الحقيقة، والوصول إليه حق الحقيقة.
لم يرض بضوئه وحرارته، فيلقي جملته فيه، والأشكال ينتظرون قدومه ليخبرهم عن النظر حين لم يرض بالخبر.
فحينئذ يصير متلاشيًا متصاغرًا متطائرًا، فيبقى بلا رسم وجسم واسم ووسم. فبأي معنى يعود للأشكال؟ وبأي حال بعدما صار؟
من وصل وصار إلى النظر استغنى عن الخبر، ومن وصل إلى المنظور استغنى عن النظر". ( [58] ) "
* مبحث القيم (الإكسيولوجيا)
لقد لمسنا في مبحثي الوجود والمعرفة عند شيخينا أن الهدف الأعلى -أو القيمة العليا -للإنسان هو أن يترقى صعودًا حتى يتلاشى في مصدر الأنوار ويفنى.
إن ثمة قيمة للنور على صعيد المعرفة أو الحق، وعلى صعيد الجمال والأخلاق، فكلما اقتربنا من مصدر الأنوار اقتربنا من الأشرف، وكلما ابتعدنا اقتربنا من الأخس ( [59] ) ، وهكذا يتأسس نظام القيم على نظام الوجود.
إن مثل هذا الأساس الذي يقوم على أولوية قوانين الوجود، وعلى تبعية تقييماتنا لهذه القوانين المودعة في طبائع الأشياء يحدثه دائمًا الشغف بالحقيقة، أو بقيمة الحق، أو ما يمكن أن نطلق عليه بمفهوم العصر (القانون العلمي) .
يقول السهروردي بأن"المريض إذا قصر في الحمية ونالته الأوصاب، ليس ذلك بأن الطبيب المحذر انتقم منه، بل هو ما ساق إليه القدر من النهمة" ( [60] ) ، وهكذا فالبنية الفيزيولوجية القائمة على الشراهة هي التي قضت بوقوع الأوجاع.