إن مثل هذه الصورة لنظرية المعرفة الحلاجية بإقصائها للعقل والبرهان واستسلامها للحدوس والإلهامات قد تنطوي على الظن بأن الحلاج لم يكابد طرق العقل، وأنه مطمئن إلى رؤاه لا يعكر صفوه قلق المعرفة، وبالتال لا يمثل جذرًا حقيقيًا للإشراق السهروردي الذي يقوم على العقل والحدس معًا. ... حاشاك حاشاك من إثبات إثنين" ( [49] ) "
إن ما يميز (طواسين) الحلاج هو هاجس التعبير الهندسي عن أفكاره الغريبة والغامضة، يتجلى ذلك في الرسوم التوضيحية التي أرفقها بالنصوص ( [46] ) كما يتجلى في النزعة التحليلية ( [47] ) وبالجدل ( [48] ) ، ولكننا -على الأرجح -لن نقع على أسلوب برهاني أرسطي، بل على أطلال دراسة لأفكار صاغها المنطق في يوم قديم، أو لعل هذه الطواسين هي الصورة السوريالية الناصعة للبرهان، وهذا ما سوف يطوره خلفه في ذرا الأدب الرمزي من مثل (أصوات أجنحة جبرائيل) و (الغربة الغربية) .
وتظهر النزعة الهندسية عند الحلاج حين يسأله أحدهم:"كيف الطريق إلى الله تعالى؟"فيجيب: الطريق بين اثنين وليس مع الله أحد"وحين يطلب منه السائل أن يوضح، يجيبه بقوله:"من لم يقف على إشاراتنا لم ترشده عباراتنا ثم قال:
أأنت أم أنا هذا في إلهين!
فالنزعة البرهانية تتعرض لزلزال هائل يفتت حصنها الحصين وهو مبدأ الهوية ( [50] ) .