مثل هذا الموقف السلبي من العقل نجد جذوره القديمة عند بعض الهرامسة"إذ يقيمون فاصلًا لا نهائيًا بين الله والعالم، وإذ يؤكدون بالتالي أن الله لا تدركه العقول ولا الأبصار يؤكدون من جهة أخرى أن الطريق إلى معرفة الله هي النفس لأنها جزء من الله.. أما العقل فهو في نظرهم إنما يستمد مدركاته من الأجسام، وما في حكم الأجسام، والأجسام لا يمكن أن تؤدي بأية صورة من الصور إلى معرفة الله" ( [40] ) .
إن المعرفة الذوقية التي تتحصل على شكل إلهامات إنما تعاش تجربة لا تجريدًا وقياسًا... وهي إن أمكن أن تجد لها في ملكات النفس صياغات لغوية واعية فإن هذه الصياغات بخروجها من دائرة المعرفة إلى دائرة التعبير تقع في إشكاليات جديدة، ومن هنا كان للقوم لغتهم الخاصة القائمة على الغموض والرمز، فكانت صفة العارف عندهم بأنه العاجز عن المعرفة، يقول الجنيد:"أشرف كلمة في التوحيد ما قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه:"
سبحان من لم يجعل لخلقه سبيلا إلى معرفته إلا بالعجز عن معرفته" ( [41] ) . ويرى فخر الدين الرازي أن"مقام التوحيد يضيق النطق به لأنك إذا أخبرت عن الحق فهناك مخبَر عنه ومخبَر به ومجموعهما، فهؤلاء ثلاثة لا واحد، فالعقل يعرفه، والنطق لا يصل إليه" ( [42] ) ، والعقل في هذا السياق هو شكل من أشكال المعرفة الذوقية، وليس بمعنى الملكة المنطقية، وإلا كان عاجزًا في الأصل عن إدراك لغز (3 =1) ."
يقول الحلاج:"لا يجوز لمن يرى غير الله أو يذكر غير الله أن يقول عرفت الله" ( [43] ) وفي المحصلة تكون المعرفة هي العجز عن المعرفة، وبدقة أكبر يكون أكثر الناس معرفة بالله أشدَّهم تحيرًا فيه. فيكاد ينتهي الحلاج في (بستان المعرفة) إلى شكّيّةٍ أو لا أدرية تسد جميع الطرق التي تعرضها المدارس الفكرية في عصره كسبل إلى المعرفة، لولا أنه ينتهي إلى تعريف العارف بأنه"من رأى" ( [44] ) :
رأيت ربي بعين قلبي