يقيم السهروردي نظريته في الوجود على قسمة منطقية للموجودات، فهناك الموجود الواجب أو اللازم الوجود، والموجود الممتنع أو المستحيل الوجود، وأخيرًا الموجود الذي ليس بواجب ولا ممتنع وهو الموجود الممكن ( [28] ) ، فإذا انتبهنا إلى أن الموجود الممتنع هو لا موجود -أي عدم -كانت الموجودات على نوعين: واجبة وممكنة.
واجب الوجود (=الله) يفيض ثلاثة عوالم هي: عالم العقول، وعالم النفوس، وعالم الأجسام؛ يشمل الأول الأنوار القاهرة، ويشمل الثاني النفوس المدبرة للأفلاك السماوية وللأجسام الإنسانية، والثالث هو عالم الأجسام العنصرية، أي أجسام ما تحت فلك القمر، والأجسام الأثيرية، أي أجسام الأفلاك السماوية ( [29] ) . ويضيف السهروردي إلى هذه العوالم الثلاثة في (حكمة الإشراق) عالم المثل المعلقة ( [30] ) ، وهو العالم المدرَك بالمخيلة، وهو بين العالم الحسي والعالم العقلي، لأنه يحوي الصورة ولا يحوي المادة.
إن العالم الإشراقي للسهروردي هو - بحق -هاجس أنطلوجي بالدرجة الأولى كما لاحظ ذلك الدكتور حسين مروة، ويأتي حل مشكلة المعرفة عنده من خلال البناء الأنطلوجي ذاته. فاتجاه الفيض النازل الذي يقوم بفعل الإيجاد أو الخلق، يقابله الاتجاه الصاعد، وهو اتجاه المشاهدة أو المعرفة ( [31] ) ، أي أن النور كما يحقق الوجود يحقق لهذا الوجود أن يدرك ذاته بوصفه نتاجًا لهذا النور، فيكون الوجود في المحصلة نورًا يدرك ذاته، والسهروردي لا يقول بوجود الظلمة على مذهب الزرادشتية والمانوية، فالظلام ليس إلا العدم، أو عدم النور. ( [32] )