فهرس الكتاب

الصفحة 20123 من 23694

وفي نصوص الحلاج التي يعرضها ماسينيون في نظرية (هو هو) نرى الله قبل الخلق في وحدته متأملًا بهاء ذاته. وهذا هو الحب الذي سيدفع الذات الإلهية إلى إلقاء غبطتها العظمى لتتجلى أمامه، فينظر في الأزل ويكون فيه من العدم صورة عن ذاته من كل صفاته وأسمائه، فكان آدم ( [23] ) ، ويلخص الحلاج ذلك بأبيات ثلاثة:

سبحان من أظهر ناسوته

ثم بدا لخلقه ظاهرًا ... في صورة الآكل والشارب

حتى لقد عاينه خلقه ... كلحظة الحاجب بالحاجب ( [24] )

ويبدو جليًا أن معالجة مشكلة الخلق هنا تقتصر على خلق الإنسان، فمشكلة إيجاد الموجودات الأخرى لا تبدو شاغلة بال الحلاج -على الأقل في النصوص التي بين أيدينا -وآدم على هذه الصورة هو أول المخلوقات، وهو نفسه محمد الذي سبق اسمه القلم، وسبق وجوده كل شيء حتى العدم. ( [25] ) ... أسرحه في حيرة يلهو ( [39] )

هل العدم -عند الحلاج -شيء آخر غير انتفاء الوجود؟ لا يبدو الأمر كذلك ولا تعدو العبارة معنى (علم الله بالعدم) ، أو أن تكون مجازًا شعريًا.

إذا كانت آثار الحلاج لا تمدنا بصورة كاملة مفصلة في مبحث الوجود فإنها -لا شك -كانت ذات أثر في الصورة الناضجة لمبحث الوجود عن شيخ الإشراق، هذا إذا لم نقل مع أحد الباحثين المعاصرين بأن جميع مؤلفات السهروردي قد اتسمت بالصبغة الحلاجية، ( [26] ) وأن فضله يقتصر على صياغة الآراء المتعددة الطعوم في بوتقة الحلاج بطريقة أكثر تعقيدًا في التعبير ( [27] ) ، ولكن نصوص الحلاج التي بين أيدينا لا تسمح باشتقاق أنطلوجيا السهروردي كاملة منها، فنظرية الفيض التي أقام عليها شهاب الدين مبحثه في الوجود ترصد عنده أشكال الوجود الجامدة والحية، كما ترصد الأفلاك والعناصر، أما عند الحلاج فكادت دفقة الخلق تقتصر على آدم، فهل كان آدم هو العقل الأول الذي فاضت عنه الموجودات؟.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت