فهرس الكتاب

الصفحة 20122 من 23694

وبهذا المعنى العام الذي يؤكد على احتلال النور حجر الزاوية في مبنى هذه الفلسفة نعود إلى طواسين الحلاج -وهي الأثر النثري الفريد المتبقي -لنجد (طاسين السراج) هو الطاسين الأول. والسراج فيها هو النبي محمد، ويفتتح الحلاج هذا الطاسين بقوله:"سراج من نور الغيب بدا وعاد، وجاوز السرج وساد" ( [18] ) . ويقول:"أنوار النبوة من نوره برزت، وأنواره من نوره ظهرت، وليس في الأنوار نور أنور وأظهر وأقدم في القدم، سوى نور صاحب الحرم". ( [19] )

وحين يعقب الحلاج على الآية"إن هو إلا وحي يوحى"في (طاسين النقطة) يقول:"من النور إلى النور" ( [20] ) ليتجلى لنا الوجود الحق عنده نورًا، ولنتذكر هنا أننا لسنا أمام ثنائية من النور، لأن الحلاج كان قد بين في (طاسين السراج) :"الحق ما أسلمه إلى خلقه، لأنه هو، وإني هو، وهو هو". ( [21] )

إن تلمس نظرية للوجود في ثنايا أقوال الحلاج المتناثرة وأشعاره الرمزية وطواسينه الغامضة ليس بالأمر اليسير، وإن تحقق ذلك فلن يكون إلا بعد مجازفة مضنية في التأويل.

يقر الحلاج بثنائية الحق والخلق، أي الله والعالم، إلا أن العلاقة بين هذين الأقنومين للوجود تبدو ملتبسة إلى الدرجة التي تنسف فيها ذلك الإقرار، كما تنسف ذاتها.

يتلمس المستشرق الفرنسي لويس ماسينيون -وهو من أهم الدارسين المعاصرين للحلاج -ماهية الخالق عند الحلاج، أو العلاقة بين الخالق والمخلوق، أو بين اللاهوت والناسوت -حسب تعبيره وتعبير الحلاج -فيما يسميه بنظرية (هو هو) ، وفيها نرى:"على الرغم من تأكيد الحلاج تعالي فكرة الإله لم يكن يفهم من ذلك أن الإنسان لا يستطيع الوصول إليه، ومن التراث اليهودي -المسيحي الذي يقول بأن الله خلق الإنسان على صورته، استخلص الحلاج مذهبًا في الخلق متناسبًا مع مذهب التأليه: الإنسان القابل للاتحاد بالله: ( [22] ) "

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت