وكان أن باح الأول بإمكانية الحج دون الذهاب إلى الكعبة ( [11] ) ، وباح الثاني بقدرة الله المطلقة حتى على بعث نبي بعد محمد ( [12] ) ، فكان لزامًا عليهما أن تباح دماؤهما حسب قوانين العشق، ولكن ما أهونه من جزاء عند من لا هدف له سوى التخلص من الظلمة والتوجه إلى النور. ... فبكوني إذ رأوني حزنا
ومن الطريف أن ينسب البيت الرابع من حائية السهر وردي للحلاج"بالسر إن باحوا..." ( [13] ) وأن تنسب نونية ابن المسفر لكليهما ( [14] ) ، وهي التي تعبر عن التوق إلى مفارقة الجسد الذي هو بمثابة غربة وسجن للروح:
قل لأصحاب رأوني ميتًا
لا تظنوني بأني ميت ... ليس ذا الميت والله أنا
أنا عصفور وهذا قفصي ... طرت فيه فتخلى رهنا ( [15] )
*مبحث الوجود (الأنطلوجيا) : ... سر سنا لاهوته الثاقب
عرفت فلسفة السهروردي بـ (الإشراق) ، ولا بأس في أن نلقي قليلًا من الضوء على هذا المصطلح الفلسفي قبل الدخول في المقارنة الأنطلوجية بين شيخينا الحلاج والسهروردي.
يعرف أبو الوفا التفتازاني الإشراق بقوله:"حدوث الإلهامات من الله للصوفي بطريق مباشر، وعلى باطنه أو قلبه" ( [16] ) والإشراق بهذا المعنى عرفته الفلسفات الشرقية القديمة، وتأتي الهرمسية في مقدمة هذه الفلسفات، والهرمسيون يفضلون الوحي والإلهام على الاستدلال العقلي في المعرفة. ويوضح السهر وردي سبب تسمية حكمته بالإشراقية بأن هذه الحكمة المفضية إلى الحق تجعل الحق غاية في الصفاء والوضوح والظهور، ولا شيء أظهر من النور، ولا شيء أغنى منه عن التعريف، وكل شيء يمكن أن يقسم إلى (نور في ذاته) وإلى (ما ليس نورًا في ذاته) أي ظلمة. ( [17] ) .