قد يكون هاجس الطفل المراهق الذي أصبح خليفة للمسلمين مختلفًا عن هاجس الملك الأيوبي المتمثل في مواجهة الخطر الصليبي، إلا أن كلا الهاجسين يؤرقهما وجود الأصوات المتفردة، وتفرد كل من الحلاج والسهروردي في عصره كان يدفع للتنبؤ بمصير مأساوي لكل منهما.
تنبأ الجنيد وغيره بمقتل الحلاج ( [4] ) والفخر المارديني يقول عن السهروردي:"ما أذكى هذا الشاب وأفصحه إلا أني أخشى عليه لكثرة تهوره واستهتاره" ( [5] ) ، وكان يرى هذا التهور والاستهتار عندهما في موضوع (السر) ، فالصوفية كانت تلجأ إلى حجب معتقداتها عن غير أهلها، وذلك تفاديًا للخطر الناجم عن معارضة الشريعة بالشكل الذي رسمته السلطة الدينية الرسمية، وإن كان لهذا (السر) الوجه الجمالي أيضًا وهو الوجه الذي يضن بالجوهر النفيس إلى غير أهله، وكان هذا السر يشبه بأسرار العشق، بما تحتوي هذه الأسرار من نشوة في البوح بها، ومن حسرة أمام الضعف عن الكتمان أو مخاطر البوح.
وقد تغلبت النشوة على قتيلينا أو عاشقينا، وتفوق التحرق للبوح على كل خطر، وعبر الحلاج عن مفارقة أن يكون المرء في حال مثل حاله من شدة الوجد ثم يكتم بقوله:
ألقاه في اليم مكتوفًا وقال له:
وينسب إليه: ... جبال حنين ما سُقيت لغنَّتِ
سقوني وقالوا: لا تغنّ. ولو سقوا
تمنت سليمى أن أموت بحبها ... وأسهل شيء عندنا ما تمنت ( [7] )
والسهروردي إذ يشفق لحال العاشقين العاجزين عن كتمان هواهم فإنما يذكر أستاذه (فتى البيضاء) ( [8] ) ، ويرى نفسه متجهًا إلى البوح أيضًا: ... مثل ما بي ليس ينكتم ( [9] )
ما على من باح من حرجٍ
و يظهر الأمر بجلاء أكبر في الحائيّة الرائعة: ... ووصالكم ريحانها والراح
أبدا تحنُّ إليكم الأرواح
وقلوب أهل ودادكم تشتاقكم ... وإلى لذيذ لقائكم ترتاح
وارحمتا للعاشقين تكلفوا ... ستر المحبة والهوى فضاح
بالسر إن باحوا تباح دماؤهم ... وكذا دماء العاشقين تباح
وإذا هم كتموا تحدث عنهم ... عند الوشاة المدمع السفاح ( [10] )