فهرس الكتاب

الصفحة 20104 من 23694

إلا أن البدعة الحديثة التي نشأت حول الآرية والسامية قد جنحت بالأوربيين إلى القول باتصاف الحضارة الإسلامية السامية بالنقل دون الإبداع. وحببت إليهم أن يميزوا عليها حضارات الأمم الآرية- ولو كانت شرقية- بملكة الإبداع والتفكير الحر، لا سيما في المباحث النظرية التي يراد بها العلم للعلم، ولا يراد بها العلم للتطبيق أو للانتفاع به في مرافق المعيشة. لأن تمييز الشرقيين الآريين ينتهي إلى تمييز العنصر الأوربي في أصوله الأولى، وهي الدعوى التي يسوّغ بها الغرب سيادته على أمم العالم!

وقال منهم قائلون: إن حضارة العرب، التي ظهرت بعد الإسلام، كانت حضارة منقولة على أيدي الأعاجم الذين دخلوا الإسلام! ( [18] )

وأول ما يوجب التشكيك في هذه الدعوى أن نسأل: أين هي الحضارة التي أبدعت ولم تنقل؟ وأين هي الحضارة التي يقال عن جميع علمائها إنهم من عنصر محض خالص ينتمون إليه ولم يمتزج بالعناصر الأخرى؟.

والحقيقة التي لا يشوبها شك: أن كل حضارة مبدعة ناقلة، والحضارة الإسلامية ليست بدعًا في هذا المجال، وإنما اطلعت على فكر السابقين من يونان وإغريق وهنود وفرس وغيرهم من الأمم. إلا أن هذه الحضارة تميزت بهضم هذا التراث وأضافت إليه الكثير، فما من أمة تستطيع استيعاب التراث العلمي لغيرها من الأمم التي تفوقها حضارة إلا إذا كانت قد وصلت إلى هذا المستوى من التراث.. وقد كانت الأمة الإسلامية جديرة بذلك في وقت قصير، ذلك لأن مظلة العلوم الفقهية وعلوم القرآن والسنة قد أمدتها بإشعاعات أسرعت في تكوين الفيتامينات للفكر العلمي الجديد.. ( [19] )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت