ولو قلبنا صفحات ماضينا التليد، لوجدنا أن المسلمين الأوائل كانوا يطبقون مبدأ الاستفادة من الهزيمة خير تطبيق.. ففي غزوة"حنين"- مثلًا- على الرغم من كثرة الغنائم التي تركها العدو عند انسحابه فإن المسلمين لم ينشغلوا بالاستيلاء عليها، بل أوغلوا في تعقبه، مستفيدين في ذلك من درس غزوة"أحد".. لذلك وجدناهم في سنين قلائل يفتحون العالم وينشرون الإسلام في ربوعه، ويقيمون حضارة فريدة في وقتها دانت لها جميع الحضارات..
وحينما ترك المسلمون مبدأ الاستفادة من الفرص، ماتت فيهم روح الطموح، وسلّموا راية حضارتهم إلى أعدائهم..
فالمسلمون، أثناء الحروب الصليبية، كانوا يتمتعون بحضارة منقطعة النظير ومتكاملة الجوانب. امتزج فيها تراث اليونان والرومان والمصريين بأعظم تقدم أضافه الإسلام إلى هذه الحضارات. كانت أوربا في ذلك الحين تحيا في ظلام الجهل، وتعيش في محيط التخلف- إلا أن المسلمين بعد أن لاقوا الصليبيين في حروبهم وانتصروا عليهم، ساد بينهم الخمول والكسل، وفترت همتهم وعزائمهم، ولم يستفيدوا من موقفهم مع أعدائهم.
أما في الغرب فقد كان الأثر عكسيًا، فقد عرف الأوربيون كيف يعبرون من الهزيمة إلى النصر، ومن الجهل إلى العلم، ومن التأخر إلى التقدم، ومن حياة الدَّعة والخمول والكسل إلى حياة الجد والعمل، ومن حالة اليأس إلى حالة الطموح، فالتهموا الحضارة الإسلامية كالجائع المحروم من الطعام..! وبذلك أقاموا حضارة من لا شيء..!! ذلك لأنهم عرفوا الاستفادة ولو في أحلك الظروف!! ( [17] )
الأصل والنقل:
الأصالة صفة مشتركة بين جميع الحضارات، فكل حضارة أبدعت ونقلت، وكانت لها سمة تميزها بين الحضارات العالمية. ولم توجد قط حضارة تفردت بالإبداع أو تفردت بالنقل أو خلت من السمة التي تميزها عن الحضارات الأخرى.