ولكن لمزيد من الأسف لم يظل الحال على ما هو عليه؛ فلقد انقسم المسلمون على أنفسهم في الأندلس. كما دهم التتار بغداد- حاضرة العلوم- وأحرقوا ما فيها من كتب، وألقوها في دجلة حتى غدت جسرًا يعبرون عليه. كما قتلوا العلماء، وعطلوا المدارس، وأصبح المسلمون محكومين بقوم من غير دينهم، كل هذا كوّن غيومًا في سماء المعرفة عند المسلمين. ولكن الله الذي تكفل بحفظ دينه والإبقاء على قرآنه هيأ الأزهر ليكون المكان الذي يشع منه نور العلم والمعرفة. فلقد لجأ إليه العلماء الفارون من وجه التتار، كما لجأ إليه العلماء المهاجرون من الأندلس، فوجدوا فيه محطًا لرحالهم، ومكانًا صالحًا لأداء رسالتهم.
وقد حبب الله إلى سلاطين المماليك أن يميلوا إلى العلم، وأن يقربوا العلماء ويغدقوا عليهم. فتخرج في الأزهر علماء أجلاء لا نزال ننعم بما خلفوه من دراسات واسعة شاملة في شتى ميادين المعرفة: كالسيوطي، وابن منظور، وابن هشام، والسبكي، وابن حجر...
لقد بقي الأزهر منارة هادية لسبيل العلم، حين أطبقت الظلمات في العصر العثماني على العالم العربي. وفي الأبيات التالية يشير الشاعر أحمد شوقي إلى هذه الفترة من تاريخ إنشاء الأزهر حين قال فيه:
ظلمات لا ترى في جنحها
قسمًا لولاه لم يبق بها ... رجل يقرأ أو يدري الكتابا
حفظ الدين مليًا ومضى ... ينقذ الدنيا فلم يملك ذهابا..! ( [16] )
وثمة أسباب أخرى لضعف المسلمين بعد الازدهار العلمي الذي لم تعرف الدنيا له مثيلًا في وقتها. ونحن نرى أن من أعظم هذه الأسباب: أن المسلمين لم يستفيدوا من مواقفهم، ولم يعتبروا من ماضيهم، فالأمور عندهم أصبحت وقتية تنتهي بانتهاء وقوعها، دون عبرة واستفادة..!