فهرس الكتاب

الصفحة 20099 من 23694

وفي العصر العباسي نشطت حركة الترجمة نشاطًا واسعًا، منذ عهد أبي جعفر المنصور ثم الرشيد والمأمون. فقد راسل المأمون ملك الروم، وأرسل إليه جماعة من العلماء للحصول على الكتب النادرة من علوم الأوائل. وجُمعت في عاصمة الخلافة العباسية أهم كتب الفلاسفة والعلماء من الأغارقة في مختلف الفروع من طب ورياضيات وفلك... إضافة إلى طائفة من الكتب العلمية والحكمية الفارسية والهندية والسريانية... فتسنى لطلاب المعرفة والعلم في العالم العربي أن يهضموا في سنوات قليلة ما أنفق اليونان وسواهم القرون في إنشائه...

وقد كانت الكتب تهدى إلى الخلفاء على سبيل الاسترضاء. ولكن هارون الرشيد، لما تم فتح عمورية وأنقرة في عهده أمر أن يحمل إلى بغداد كل ما وجد فيهما من المخطوطات، واقتدى به ابنه المأمون.

وكان العلماء- آنئذ- يلحفون في طلب المخطوطات بلا هوادة، وقد حدثنا حنين ابن اسحاق عن مخطوط عرف باسم (في البرهان) بقوله: إنني بحثت عنه بحثًا دقيقًا، وجبت في طلبه أرجاء العراق وفلسطين ومصر... إلى أن وصلت إلى الاسكندرية، لكني لم أظفر إلا بما يقرب من نصفه في دمشق.

وفي غضون حكم المأمون (813-833م) وصلت الجهود الثقافية الجديدة إلى قمتها؛ فلقد كان المأمون من مفاخر الدولة العباسية علمًا وأدبًا وفضلًا ونبلًا، ولقد وجه عنايته للعلم وأكرم العلماء وأعلى مجالسهم، وانصرفت همته أيما انصراف إلى نقل العلوم والصناعات من اللغات الأخرى إلى اللغة العربية؛ حيث عد ذلك من آكد أعماله وأنبل أغراضه؛ رغبة في رفع شأن أمته وإعزاز جانبها. كما أنشأ الخليفة المأمون في بغداد سنة 830م معهدًا رسميًا للترجمة مجهزًا بمكتبة أطلق عليه اسم"بيت الحكمة"، فكان هذا المعهد- من وجوه كثيرة- أعظم المعاهد الثقافية التي نشأت بعد مدرسة الاسكندرية، التي تأسست في القرن الثالث قبل الميلاد، في زمن الاسكندر المقدوني. ( [13] )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت