كانت منهجية"سيد قطب"في معالجة مسألة"التناسق"تفرض عليه أن يبدأ بألوان التناسق التي اهتدى إليها علماء التفسير، والبلاغة، والإعجاز، في مقاربتهم للنص القرآني. ولكنه يشير إلى أن عدم التفاتهم إلى مسألة التصوير حالت دون تلمُّسهم حقيقة التناسق القائم فيه، على ضرب من الدمج بين أفقين متباعدين. فعلماء التفسير، والبلاغة، والإعجاز، توقفوا عند أشكال أخرى من التناسق، يلخصها في النقاط التالية:
ـ التنسيق في تأليف العبارات، بتخير الألفاظ، ثم نظمها في نسق خاص.
ـ ملاحظة الإيقاع الخاص الناشئ من تخير الألفاظ ونظمها في نسق خاص.
ـ التعقيبات المتفقة مع السياق، كأن تجيء الفاصلة: (وهو على كل شيء قدير(، بعد كلام يثبت القدرة. والفاصلة: (إن الله عليم بذات الصدور( بعد كلام في وادي العلم المستور.
ـ التسلسل المعنوي بين الأغراض في سياق الآيات، والتناسب في الانتقال من غرض إلى غرض.
ـ وأعلى ما انتبهوا إليه هو التناسق النفسي بين الخطوات المتدرجة في بعض النصوص، والخطوات النفسية التي تصاحبها (12) .
وعندما يلتفت"سيد قطب"إلى التناسق في إطار من التصوير، يكتشف فيه أبعادًا جديدة، تتصل بهذه الآلية في إنتاج الدلالة والظلال معًا. وهي عنده على النحو التالي:
ـ تناسق التعبير مع الحالة المراد تصويرها. فهو يساعد على إكمال معالم الصورة الحسية والمعنوية. وهذه خطوة مشاركة بين التعبير للتعبير، والتعبير للتصوير. ومثالها: (إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون( فالدواب في الآية يشمل معناها اللغوي الحيوان والإنسان معًا. غير أن ما يلحقها من نعت الصم والبكم يعرِّض بالغافلين الذين لا ينتفعون بالهدى. وكأن التعبير يساير الصورة من حيث التركيز على الحيوانية والغفلة معًا.