وإذا كنا قد فهمنا عن"سيد قطب"مراده من التناسق في معنى التهيئة، كان لنا منه التوافق بين التعبير والألفاظ المختارة له، وبينه وبين الأساليب المتخيَّرة. وبينها وبين طرائق السير في الموضوع. إن التناسق وهو يقدم هذه التشكيلة من العلاقات الدقيقة، يكون في نهاية الأمر تلك العبقرية التي يتفرّد بها كل مبدع على حدة. حين يجعل من صنيعه وحدة، إذ أنت نظرت إليها من جميع جوانبها فلن ترى فيها خللًا ولا عيبًا. وكأنها صبت في قالبها ذاك صبًا محكمًا. وهو في الكلام:"الصيغة التي تتوافر فيها وحدة من الانسجام، في صورة أخاذة تسترعي الانتباه، وتريح الحواس، وتتماشى والذوق الرفيع، بحيث لا خلل ولا فوضى، بل تراص والتحام في فن بديع." (11) بيد أن ما يشير إليه تعريف الصيغة يوحي أن الجمال لا يتحقق إلا في الحُسْن وحده، وأن المشهد الذي يتعرض إلى غير الحُسْن، ولا يريح النفس، ولا يرضي الأذواق.. ليس له حظ من الجمال.
إنها الفكرة التي يمكن أن ننتهي إليها، ونحن نقلِّب صياغة هذا التعريف. غير أن المتفحص لمشاهد القرآن الكريم، يجد أنها لم تقدم فقط ما تستر روحه النفس، وتلتذ به، بل قدم ما يرجُّها رجًا عنيفًا، ويرفع إليها ما يبعث فيها الرجفة تلو الأخرى، وما يجعلها تقشعر خوفًا، وتتململ حرجًا. والجمال في كل ذلك يقف عند عتبة العرض وحده، مهما كانت طبيعة الموضوع: جميلًا كان أو قبيحًا. فالمشهد لا يتأثر بهذا وذاك، ولكنه يتأثر بالفكرة التي تحملها الصورة إلى عين المتلقي. وكلما كان الوقع فيها شديدًا: شدة لذة، أو شدة رجّة، فقد أدى المشهد وظيفته التي أنيطت به.