فهرس الكتاب

الصفحة 20085 من 23694

إن الإيحاء مرهون بالآخر، متعلق به. يمتح قدرته من اقتدار المتلقي الذي يستطيع أن يشهد في الصنيع الفني عمل المنظومة جملة. ومن ثم يجعله المقياس الجمالي آخر المقاييس التي تنتهي إليها عطاءات المقاييس الأخرى. وكأنه بذلك يقيم الصنيع كله على شرط الإيحاء وحده. وإننا حين نقف أمام الصورة الفنية ـ مهما كانت مادة وسيطها ـ لا يريد منا الفن أن نصدم بالعناصر وحسنها وحدها، ولا أن نقف عند عتبة الرؤية الخارجية وحسب. وإنما يريد منا أن نتملى الإيحاء المنبعث منها:"فالمحتوى الكامن قائم فيما صنعه الفنان فعلًا، بالإضافة إلى ما ظن أو عزم على أنه سيصنع. فهو يفعم حضور الصورة الفيزيائي. ولكن السبيل إلى إيجاده هو ملاحقة المعاني التوضيحية والجمالية معًا، إلى أن تتبيَّن. ولحظة تبيُّنها. قد يتبدى المحتوى الكامن." (8) . ومن ثم يشترط الإيحاءُ المشاركةَ التي تأتيه من تعاطف المتلقي وتماهيه مع الصنيع الفني في الطرف المقابل (9) .

5.6 ـ التناسق:

يشير"سيد قطب"في رؤيته النقدية، إلى أن"التناسق"ضرب من التهيئة يقيمها الأديب لألفاظه في إطار من النسق العام، الذي يحدِّده التعبير في المشهد (10) . وكأن التهيئة إتاحة للمجال أمام الألفاظ كي تشعّ بما فيها من دلالات وإيحاءات. حتى تتمكن من التساوق مع الجو العام الذي تنبع منه توترات الإبداع أصالة. غير أننا لا يمكن أن نفهم التناسق بعيدًا عن البعد المادي الذي تقدمه الأشياء من خلال"تناسق"أجزائها حين تتبدى معتدلة في صفاتها. فيكون التناسق فيها مقادير تلحق الأجزاء في البناء العام للشيء. والتناسق ـ بهذا المعنى ـ يفضي حتمًا إلى"القصد"مادام القصد هو الاستواء لغة. والاستواء تكامل بين العناصر في أبعادها المادية والمعنوية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت