يبدو أنَّ الذين رأوا هذا الرأي لم يدققوا النظر في حياة الرجل الذي كان على صلة بالعروبة والإسلام منذ حداثته، فقد ذكر لهُ ابن عذاري أبوين في الإسلام (طارق بن زياد بن عبد الله) (56) ، وأغلب الظن أنَّه ليس هو الذي أسلم أوّلًا، بل والده وجدُّه الذي يكون قد سُبيَ في إحدى حملات الفتح الأولى وأخذ إلى (مصر) أو (الشام) ، وهناك في ديار الإسلام نشأ طارقُ مسلمًا، فأحسن العربية مع الاحتفاظ بلهجة أجداده البربرية، ثم جُنِّد بعد ذلك في إحدى حملات موسى بن نصير، وجاء مَعَهُ إلى المغرب (57) .
ولهذا يكون طارق قد أجاد العربية في المشرق، وبلغ من الفصاحة والبلاغة درجة عالية جعلته ينظم الشعر ويلقي الخطب. وإذن فطارق ليس حديث عهد بالإسلام والعربية، ولابد أنَّ نعيد النظر في هذه المسألة.
ب ـ وأمّا بالنسبة إلى إهمال المصادر القديمة لهذه الخطبة، وظهورها في كُتُبِ المؤرخين والأدباء المتأخرين، على حدّ زعمهم، فهذا الأمر لا ينهض دليلًا على رفضها، لاسيما ونحن نعرف أنَّ ما وصلنا مِنْ هذه المصادر قليل جدًّا، وأنَّ ما وصلنا فيها من أخبار ونصوص ليس غير جزء ضئيل مما كنّا ننتظر، وما زلنا ننتظر أنْ يصلنا يوم يُكشَفُ النّقابُ فيه عن تراثنا الدفين ثم إنَّ القول بإهمال المصادر القديمة لهذه الخطبة قولٌ مبالغ فيه، فقد فات الدكتور أحمد هيكل والأستاذ عبد الله عنان ومن حذا حذوهما أن يطلعوا على كتُب كثيرة ألفتْ قبل"نفح الطيب"ورَدَتْ فيها هذه الخطبة بنصوص متشابهة حينًا، ومختلفة حينًا آخر (58) ، وهي:
1 ـ تاريخ عبد الملك بن حبيب (59) المتوفى سنة 238هـ.
2 ـ الإمامة والسياسة المنسوب لابن قتيبة (60) ، المتوفى سنة 276 هـ.
3 ـ سراج الملوك للطرطوشي (61) ، المتوفى سنة 520هـ.
4 ـ ريحان الألباب وريعان الشباب في مراتب الآداب لأبي محمد عبد الله المواعيني الإشبيلي (62) ، عاش في عصر الموحدين.
5 ـ وفيات الأعيان لابن خلكان (63) ، المتوفى سنة 681هـ.