وعاطفة طارق تتدفق بحب الجهاد والتوق إلى النصر، ولا ريب أنّها عاطفة صادقة قوية، ولولا ذلك ما أحدثت انفعالًا وأثرًا قويين في نفوس الجند.
7 ـ المعاني:
ومعانيه واضحة سهلة، بعيدة عن العمق والتكلف خالية من الصور الفلسفية، ولكن الروح الدينية، تعمُّ معاني الخطبة، فنلحظ تأثر طارق بأفكار القرآن الكريم والحديث الشريف، ولاسيما حين يتحدث عن الأثر النفسي للتقاعس واحتمال تجرؤ العدو عليهم بعد جبنه أمامهم، ثم حين يغريهم بالألذ والأرفه بعد الأشق القليل، وكأنَّه يقيس تلك المكافأة الدنيوية على العمل الطيب بمكافأة الآخرة على الدنيا (40) .
8 ـ خلاصة:
في ختام حديثنا عن تحليل الخطبة، يجدر بنا أنْ نسجل الملاحظات الآتية:
أ ـ إنَّ مجمل الروايات العربية والإسلامية، قد أشادت بهذه الخطبة، ونوَّهت بما كان لها من أثر في إذكاء شجاعة الجند، وتَمتين الثقة في نفوسهم لتحقيق الانتصار والظفر بِهذه الجزيرة (41) .
ب ـ تفكير طارق من خلال هذه الخطبة تفكير سليم، فهو يجيد التعليل والتدليل، ويحسن تقديم الحجج والبراهين.
ج ـ له ذكاء متوقدٌ، يسبرُ أغوار النفس البشرية، ويعرفُ ما يدور في أذهان المستمعين، فيخاطبهم حسب عقولهم.
د ـ له مخيلةٌ نشيطةٌ، وإحساسٌ مرهفٌ، فمخيلته تُجسّمُ الأفكار، وتصنع الخطط، وتصوّر المواقف، وإحساسُه يتلقى التأثيرات ويعكسُها لجنُودهِ، وما فعله مع جنوده حين جعل نفسه مثالًا حيًا يتقدم صفوف المجاهدين يذكرنا بالقول المأثور:"إذا أردت أن تبكيني فابدأ أنت بالبكاء".
هـ ـ وكانت ثقتهُ في نفسه وفي جيشه كبيرةً، وكان جريئًا في آرائه، رابط الجأش في موقفه.
و ـ كما كان صادقًا مع جنوده لا يراوغ ولا يخاذل.
ز ـ وتعدّ هذه الخطبة، أوّل ريح معطرة بالبلاغة تَهبُّ على أرض الأندلس (42) .