وبعد أنْ تناول جانب الترغيب مركزًا على الجانبين المادي والمعنوي معًا، انتقل إلى إبراز خُطَّته الحربية في المعركة التي يقبل عليها، واضعًا كل الاحتمالات الممكنة أمام أعينهم تجنّبًا للاضطراب أو تصدّع الصفوف في حالة استشهاد القائد، وقد أعلن عن خطته في اللحظات الحاسمة قبل نشوب المعركة، مما يدلُّ على حنكته وبعد نظره (38) ، ثم أخبرهم بأنّ قتل لذريق ملك الأعداء سيسهل مهمة فتح الأندلس، لأن قومه سيخذلون بعد قتله، وقد اتخذ نفسه قدوة لجنده عندما تكفل هو بنفسه بقتل لذريق، وقال لهم: فإنْ متُّ بعد قتل الطاغية فقد كفيتكم شره، عندئذٍ تستطيعون إسناد أموركم إلى بطل عاقل يخلفني في قيادتكم.
5 ـ الأسلوب:
الأسلوب في هذه الخطبة، هو أسلوب الخطابة بشكل عام، يمتاز بالقوة والجزالة، وبالإيجاز والفصاحة، وبتماسك الجمل، والبعد عن الحشو والمبالغة وتكلف ما لا طائل تحته، وهو أسلوبٌ عربيّ النّسج، خالٍ من أية عجمة تشينه، أو غرابة وتعقيد يزريان به، ويحطان من قدره، وهو فوق هذا بعيد عن المحسنات البديعية المتكلفة الممقوتة (باستثناء الفقرة الشاذة المضافة المشار إليها سلفًا) ، والسجع الموجود في الخطبة من السجع القصير الفقرات الذي لا ينبو عنه الذوق، ولا تَمجُّه الأسماع، لأنَّه خال من كلّ مظاهر الصنعة والتكلف والخطبة في الجملة، تجري على طبيعتها، وعلى هدى معانيها فجملها قصيرة وقوية، متينة السبك، جميلة الصياغة، فلا نجد لفظة مقحمة في غير مكانِها.
6 ـ العاطفة:
تزخر الخطبة بالعواطف الدينية الصادقة، وتظهر عاطفته الدينية واضحة في هذه الخطبة وتتجلى في اهتمامه بالجانبين الروحي والمادي معًا، وفي سعيه إلى الاستشهاد بإيمان كبير وروح عالية، وحث قومه على الجهاد، كما تتجلى العاطفة الطينية في الجمل الدعائية التي تتخلل الخطبة، وفي بعض المعاني التي يستمدها من القرآن الكريم (39) .