وفضلًا عن ذلك فإنَّ المؤرخين العرب القدماء الذي ينتمون إلى أزمنة مختلفة، وأمكنة متباعدة تجاهلوها، وكأنَّها شيء لا أصل له في الخطبة، فلم يثبتها أحد من المؤرخين الأوائل، أمثال: عبد الملك بن حبيب (ت 238هـ/852م) . صاحب كتاب"مبدأ خلق الدنيا"، المعروف بتاريخ ابن حبيب، وابن قتيبة (ت 276 هـ/889م) صاحب كتاب"الإمامة والسياسة"، والطرطوشي (ت 520 هـ/ 1126م) صاحب كتاب"سراج الملوك"، وغيرهم. وأوّل من أورد هذه الفقرة في الخطبة هو ابن خلكان (ت 681هـ/ 1282م) . صاحب كتاب"وفيات الأعيان". ويبدو أنَّ الفقرة قد أضيفت إلى الخطبة بعد عصر ابن خلكان عندما استولى الصليبيون على بلاد المسلمين وعبثوا بتراثهم...
وإذن، فلابد من الوقوف وقفة شكّ كبير أمام هذه الفقرة"ومما يزيد هذا الشك رسوخًا تلك الحقيقة التاريخية التي عُرفت عن الجيوش الإسلامية عامة ـ ولاسيما في تلك القرون الأولى من حملات الإسلام ـ وهي أنَّ هذه الجيوش لم تكن تغزو للغزو وللغنائم التي ينالها الغزاة عادة، بل كانت تغزو في سبيل فكرة وعقيدة" (36) .
وهذه الحقائق التّاريخية، لا تُعجبُ الصليبيين الحاقدين على الإسلام والمسلمين، فعملوا ما في وسعهم على تشويه التاريخ الإسلامي المجيد بجوانبه المتعددة، تارة بالزيادة، وطورًا بالحذف، ولكن (يُريدُونَ ليُطفِئوا نُورَ الله بأفواهِهم والله مُتِمُّ نُورِهِ ولو كَرِهَ الكَافِرُونَ (( 37) .
المقطع الثالث: إبراز خطته الحربية في المعركة، ويبتدئ بـ (واعلموا أني أوّلُ مجيب إلى ما دعوتكم إليه) ، وينتهي بـ (فإنّهم بعده يخذلون) .