وبنظرة بعيدة صائبة يرى الزهراوي أن الاختلاف الديني والاختلاف الجنسي (القومي) قديمان، ولكنهما"لم يحولا دون تعاون المختلفين فيما لهم فائدة فيه مشتركة، كعمران المزارع، وإقامة المتاجر والمصانع، والتوسع في الاختراع، وتكثيف أنواع البضائع... ووجدناهما لم يمنعا أن يتساكن المتخالفان في بلد واحد، وبيت واحد" (26) والاختلاف الأخطر، والذي يمكن أن يمزق جسم المجتمع، إذا لم يقم على أسس من الوعي والعقلانية، وتربية الاستعدادات التي عند الفرد والجماعة، هو الاختلاف السياسي"فإذا رأينا أحيانًا أثرًا فظيعًا للاختلاف الديني أو الجنسي، فإنّاغب التتبع والإمعان نجده في الحقيقة أثرًا للاختلاف السياسي، لذلك أود، وأرى أن نلقي بالًا ونظرًا قبل كل شيء إلى هذا الاختلاف فإذا تعلمنا الطب المطلوب لمعالجة قروحه أولًا وبالذات كانت لنا الفائدة المطلوبة لمداواة قروح الاختلاف الجنسي والديني من غير ما نقص" (27) . ومن هنا كان من الواجب تربية المواطنين تربية سياسية تجعلهم أكثر وعيًا، وأبعد بصرًا، وأقدر على ممارسة الدور الذي يجب أن يضطلع به كل واحد منهم، بوصفه مواطنًا له حقوق، وعليه واجبات. مما يؤدي إلى قيام جماعة متحابة، قوية، معافاة. إذ أن السياسة التي يجب أن تناضل الجماعة في سبيلها التي يجب أن تناضل الجماعة في سبيلها هي التي تقوم"على دفع الأشخاص الضارين بها عن مواقع الاقتدار، وإعانة النافعين لها على بلوغ تلك المواقع" (28) فإذا وصلت الجماعة (الأمة) إلى درجة من الوعي السياسي، فإنها تجد في نشوء الأحزاب المتعددة نعمة لا نقمة. وكذلك فإن أمة تشعر بأهميتها لأنه"لا يكون زعيمها قائمًا فيها بالغلبة بل بعون وتأييد منها" (29) .