فهرس الكتاب

الصفحة 20046 من 23694

ثم يبدأ في وصف ليلته هذه التي امتلكت مباهجها عليه مشاعَره، وطردت النومَ عن أجفانه، فيشبهها بعروسٍ من الزنج قد أفاض عليها الشباب من غلوائه زيادة في التكوين، وحسنًا في التقسيم، بحيث تزهو على أترابها، وقد حلّى جيدها بعقودٍ من اللؤلؤ! يريد بذلك تلك الأضواء المنبعثة من الكواكب هنا وهناك في صفحة السماء. وهنا تبدو براعةُ هذا الشاعر الرسام الفنان في قوله:"عروس من الزنج"ذلك أن هؤلاء القوم شديدو التعلّق بالطرب، حتى ليُضربُ بهم المثل"أطرب من زنجي".

وكما قلنا إنه لم تندّ عنه لمحة، فنحن بعد ذلك أمام مشهدٍ رائعٍ من مشاهد الوداع، بين الهلال الذي أراد به صورة فتى، والثريا التي أراد بها صورة فتاةٍ، وقد اعتنقا عناق الوداع. ذلك أن الثريا لا تمكث مع الهلال حين يهلُّ في أول ليلة إلاّ زمنًا قصيرًا ثم تغيب، وهم يضربون المثل بهذا اللقاء الخاطف، فيقولون:"ما ألقاه إلاّ عداد الثريا من القمر".

ويصور في البيت الذي يليه كوكب سهيلٍ الذي يُرى مضطربًا لقربه من الأفق، فيشبه اضطرابه بخفقان قلب المحب حين يلقى من يحب، ولا ينسى الشاعر هنا أن يحدّدَ لونَ هذا الكوكب بالتشبيه دون أن يذكر اسم هذا اللون، إلاّ بعد قليلٍ،"كوجنة الحب"بكسر الحاء- أي المحبوب الذي تحمُّر وجنته عند لقاء حبيبته، ومعروفٌ أن هذا الكوكب يضرب لونه إلى الحمرة ( [17] ) .

ثم يشير في البيت الذي يليه إلى سرعة لمعان سهيل وحمرة لونه يشبهه في هذا بلمعان عين الغضبان في سرعتها وحمرتها. وقد أفصح في هذا البيت عن هذا اللون.

ثم يليه بيتٌ يصوره فيه قتيلًا مضرجًا بالدم من سيوف أعاديه، وقد وقفت أختاه"الشعريان"تبكيانه، وكانت العرب تقول:"الشعريان أختا سهيل. إحداهما: (الغميصاء) وهي في المجرة، لا تنظرِ إليه لأن عينها غمصت من البكاء. أي كثر القذى فيها، والأخرى"الشعرى العبور"قد عبرتْ إليه نهرَ المجرة، فهي تنظر إليه، وفي عينيها عبرةٌ."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت