"في هذه الصورة نشهد في البيت الثاني منها المقابلة الصادقةَ بين بياضِ الليلِ وسواده. إذ يضفي فيها الشاعر من إحساس الشباب الطافر، الجاري وراء الجمال الساحر، ونعيم الحياة الغامر، واللاهي عن مآسيها وأحزانها، وهمومها وأشجانها بهدوئه الناعم لونًا مبهجًا غير ذلك اللون القاتم"
ووصفَ الأماني في البيت الأول بالبياض. ليس لأن المعري يعقل هذا اللون، فقد حدثنا أنه لا يعقل من الألوان إلاّ الحمرة، وإنما"لأنه رأى الناس يصفون الجميل بهذا اللون، ويستبشرونه فيما لهم من النظم والنثر والحديث، وهو بعدُ يريد أن يصف أمانَيه بالحسن، وقد حفظ أن الظلامَ لونُه السوادُ الحالكُ إشارة إلى اليأس، وانقطاع الرجاء من لذات الحياة، وسأل صاحبيه أن يعللاه بما عندهما من خيرٍ ليتلهى عن احتمال هذه الحياة المفعمة باليأس والقنوط" ( [16] ) .
ثم يشبه في البيت الثاني الليل بالصبح لا في شيءٍ مادي بل فيما يمنع النفوس به من السرور والطمأنينة، ولفّعه بطيلسان أسودَ، كثيرًا ما لفّعه به الناس قبله.
وثمة مقابلةٌ أخرى بين الحركة والسكون: حركةِ هذا الشباب الذي يتسابق إلى مسارح اللهو ركضًا في بهجةٍ ومسرةٍ، ثم سكونِ النجم الواقفِ في وجومٍ وحيرةٍ، والحيرةُ سبيلٌ إلى الأسى والحزن وإلى السكون والوجوم.
"ثم ينقلنا معه إلى مقابلة أخرى بين الطفولة في وداعتها القَريرة، وبين الشباب في فنونه الغريرة: طفولةِ القمر وهو في أول الشهر ليدرج إلى تمامه في منتصف الشهر خطوةً خطوة، وقد اشتدت من حوله الظلمة بسواد إهابها، مزهوةً بأول شبابها وما هي فيه من قوةٍ وسطوة."