إن رموز البياض والسواد المتغلغلة في شعره، كانت نتيجة طبيعية لحالته البصرية لكن البصيرة صقلتها وعالجتها لتقدّمها في صورٍ اختلفت اختلافًا واضحًا عن صور المبصرين.
ولنقف عند قصيدته النونية نتسقّط رؤية البصيرة لهذه الألوان التي خرجت من معطف الأبيض والأسود لتلبس غلاله الشاعرية والشفافية والجمال النفسي، غير المرئي:
علّلاني فإن بيضَ الأماني
رُبَّ ليلٍ كأنه الصبح في الحسن ... وإن كان أسودَ الطيلسان
قد ركضنا فيه إلى اللهو لمّا ... وقف النجمُ وِقفة الحيران
فكأني ما قلتُ والليل طفل ... وشباب الظلماء في العنفوان:
ليلتي هذه عروسٌ من الزنج ... عليها قلائد من جمان
وكأن الهلال يهوى الثريا ... فهما للوداع معتنقان
وسهيل كوجنة الحب في اللون، ... وقلبِ المحب في الخفقان
مستبدٌّ كأنه الفارس المُعلَم ... يبدو معارضَ الفرسان
يُسرعُ اللمحَ في احمرارٍ، كما تُسرع ... في اللمح مقلةُ الغضبان
ضرَّجته دمًا سيوفُ الأعادي، ... فبكت رحمةً له الشِّعريان
ثم شاب الدجى، وخاف من الهجر، ... فغطّى الشيبَ بالزعفران
ونضا فجرُه على نسره الواقع ... سيفًا فهمّ بالطيران
هذه صورة من أروع مشاهد الطبيعة، رسمتها بصيرة المعرى الفنان، بألوان روحه التي كشفت عن إحساسٍ دقيق، مرهف الشعور مستغرق النفس في تأملاته"واعي الفكر في تصوراته، واسعِ الأفق في مطالعاته. نفّاذٍ إلى دقائق الأشياء وأسرارها، يستطلع مكنونات الطبائع إلى عمق أغوارها، متتبعٍ كل حركةٍ وخلجةٍ. لم يفتْهُ في هذه اللوحة الشعرية سريعُ نبضٍ، ولم يَخْفَ عنه خاطفُ ومْضٍ، ولم تندَّ عنه لمحةٌ تُلاحقها لمعة، أو يختلط منظرٌ في هذا الموكب الساحر بمنظرٍ، أو يطغى لونٌ على آخر في كل مظهر".