فهرس الكتاب

الصفحة 20043 من 23694

وحين يذكر أنه خرج من بغداد مكرهًا، يحمّل ذلك لليالي ويقصد الأيام: ... بِرَدِّي إلى بغدادَ ضيّقةَ الذرع

أظن الليالي وهي خونٌ غوادرُ

وحين يكابر على نفسه كي يخفي ضيقه، يعلن أنه يودّ دوام الليل، ويقصد دوام الأيام التي ينضاف سوادها إلى سواد القلب والبصر: ... وزيد فيه سوادُ القلبِ والبصرِ

يودُّ أنَّ ظلام الليل دام له

وحين يصير إلى الشيخوخة ويرى فمه بلا أسنان، يلقي باللائمة على الليالي ويقصد الأيام: ... لأشربُ منه في إناء مثلَّم

فمي أخذت منه الليالي وإنني

ولم يكن اللونان الأبيض والأسود في بصيرته سوى مكونات فكرته رسمها رسمًا"يمسّ عواطفه وخياله، حتى ينطلق لسانه بوصف هذا الشيء، نقلًا عما تركته صورته في خياله وقلبه، من الشكل المفضّل والتأثير الشديد"لكن الدكتور طه حسين يرى أن المعري في وصفه للمبصرات، ومنها الألوان يقلّد ما سمعه من المبصرين، فلم يبلغ شأوهم"في هذا الفن، فيحتال في أن يعوّض شعره من هذا القصور ما يزيّنُ لفظَه، ويجمّلُ معناه" ( [15] ) ... فَنِيتْ والظلامُ ليس بفاني

إن للبياض والسواد قيمةً تُعدّ من أهم القيم الفكرية والفنية في الأدب العربي نلمح فيها بصورةٍ جليةٍ المقابلة بين الأبيض والأسود والليل والنهار والنور والظلام وكل ما يمكن أن يتصل بهما من معان ترمز للخير والشر والعدل والظلم، فالظلام رمز الضيق النفسي، والشر، والظلم، والباطل، والعتمةِ. والنورُ رمزُ الحب والخير والعدل والنهار والضياء. وهما في تقابلٍ دائم في النفس، وصراع مرير في الحياة لا ينتهي، وقد عرفتها جميع الآداب في الأمم القديمة والحديثة، وهذه ظاهرةٌ في شعر المعري ثريةٌ خصبةٌ وردت صريحةً تارة ورمزية تارةً أخرى، تتصل بكل طرف من أطرافها، وهي تمتدّ من صورتها المجملة المقتضبة المتمثّلة بالأبيض والأسود، أو بالليل والنهار، أو بالحق والضلال، وهذه الثنائيات في صراعٍ مستمرٍ إلى صورها التفصيلية التي يضفي عليها في كل مرةٍ معنى جديدًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت