فهرس الكتاب

الصفحة 20041 من 23694

وفي غربته ببغداد أوى أبو العلاء إلى نفسه محزونًا يرنو بوجدانه عبر الظلام الدامس المتكاثف إلى برقٍ لاح من ديار الشام، فهاج مواجعه. وأخذ يصغي في صمت الليل، وفراغ الوحدة إلى صدىً ملء سمعه، من تحنان الإبل يعذبه. كانت تحن إلى الديار، رغم حرصه على ستر وجوهها كي لا تلمح إيماض البرق المتعالي من ناحية الشام.. وإنه مع ذلك ليعجب لهذه البُهم: هل زارها طيفُ خيالٍ، كما زاره طيفُ خيالٍ فهاجه؟.. ومياهًا أخرى وردتها من قبلُ بالفلاة، وهيهات لمثله أن ينسى، وإنها لذاهلة عما تلهب بتحنانها من وجدٍ في صدره، وهيهات لمثله أن يذهل أو يسلو" ( [13] ) ."

طرِبْنَ لضوءِ البارق المتعالي

سمت نحوه الأبصار حتى كأنها ... بناريه من هنّا وثمَّ صوالي

إذا لاح إيماضٌ سترتُ وجوهها ... كأنيَ عمروٌ والمطي سعالي

وكم همَّ نضوٌ أن يطير مع الصبا ... إلى الشام لولا حبسه بعقال

لقد زارني طيفُ الخيال فهاجني ... فهل زار هذي الإبلَ طيفُ خيال

فيا برق ليس الكرخُ داري وإنما ... رماني إليه الدهر منذ ليالِ

فهل فيك من ماء المعرة قطرةٌ ... تغيث بها ظمآنَ ليس بسالِ

ولعل قارئ شعر أبي العلاء يلمس أثر الحزن الذي يتشح صاحبه بالسواد، فالسواد رمز للموت، وهو يبرز في أثر الراحلين من الأهل والأحبة والصالحين، ويجعل صاحبه يصرخ في شجن وأسى: ... بقلبيَ نجمًا بطيءَ الغروبِ

"يا قلب. لعل أسْوَدك زَنجيٌ من ولد حام" [الفصول والغايات] والسواد رمز للحياة التي تغيم فيها المرئيات فيعيش فيها بليلٍ طويل فيقول:

لعمري لقد وَكَلَ الظاعنون

أقول وقد طال ليلي عليَّ ... أما لشبابِ الدجى من مشيب؟

إن ليل المعري الأسود المدلهم بدأ من سنته الرابعة، فطال وطال، وقد خُيّل إليه حينًا في ميعة الصبا وأشر الشباب، أنه يستطيع أن ينسخ ذلك الليل بنهارٍ متألقِ الضياء، وأن يجعل سُراهُ في داجي الظلمة تحليقًا مع النجوم في مسبح الفلك. ... فقل في ظلامٍ زيد فوق ظلام

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت