إن عبارة"طأطئ رأسك"ثقيلة الوقع على حسّ الشاعر المرهف، وهي ذات مدلول نفسي توحي بالخنوع والخضوع والمذلة والمهانة، وأنّى للشاب المتحفّز المتوثب أن يتقبّلها إلا بروح التشاؤم وردّة الفعل الظاهرة والباطنة. ثم أليس من معناها البعيد شدّة السواد وشدّة القتامة، وشدّة النقمة.
وتقول الدكتورة بنت الشاطئ:"طأطئ رأسك، ما أشقّها من كلمة على الحسّ المرهف للضرير الذي يخرج لأول مرةٍ إلى خضم العالم الواسع، وقد كان من قبلُ ألفَ الحركة في حدود عالمه الصغير الضيّق، ما بين المعرة وحلب. مهتديًا بحسّه الذكي وبصيرته الثاقبة، ومترنمًا بمثل قوله في الدهر الأول ( [12] ) :"
وأغدو ولو أن الصباحَ صوارمٌ
وهذه شجرة فحسب على الطريق، أنى له أن يتقي الاصطدام بها إلاّ أن يقول له من يقوده، منبهًا ومرشدًا: طأطئ رأسك؟! ... ببغداد وهنًا مالهن ومالي؟
ومما زاد من تشاؤم أبي العلاء أن بغداد لم تحسن استقباله، إذ صادف يوم وصوله وفاة الشريف الطاهر، والد الشريفين الرضي والمرتضى، فقصد للتعزية، والناس مجتمعون، والمجلس غاصٌّ بأهله، فتخطى بعض الناس، ويروي ابن العديم في"الإنصاف والتحري"ص 543 أن أحدهم انزعج فقال له:"إلى أين يا كلب؟!"قال أبو العلاء:"الكلب من لا يعرف للكلب سبعين اسمًا"ثم جلس في أخريات المجلس، إلى أن قام الشعراء وأنشدوا مراثيَهم، فوقف أبو العلاء وأنشد مرتجلًا قصيدته في رثاء الفقيد:
أودى فليت الحادثاتِ كفاف
فلما سمعه وَلَدا الشريف الطاهر قاما إليه ورفعا مجلسه، وقالا له: لعلك أبو العلاء المعري؟ قال: نعم. فأكرماه واحترماه
وهكذا كانت البداية:"مأتمٌ يستقبله يوم وصوله وكلبٌ أولُ لقب يسمعه في بغداد"
"وكأن الدنيا مترصدةٌ مقدمه لتردّه إلى موضعه على الأرض، بعدما طال مزعمه أن النجم دونه"