فهرس الكتاب

الصفحة 20039 من 23694

إن ألفاظ السواد والبياض كثيرة في شعره، ولعلنا نستشف منها أن اللون الأسود يوحي بدلالات العتمة والظلمة والظلم والتشاؤم. وهذا ما يمكن أن يقف الدارس عنده لأن التشاؤم كان أساس فلسفة المعري التي يبحث فيها عن علل الوجود ونتائجه، وامتثاله لعلوم الطبيعة، وما وراء الطبيعة، والأخلاق، فشرحها وأضاف عليها. ... وأسري ولو أن الظلام جحافل

"لم يكن المعري مبتدعًا في ميدان الفلسفة، بل متبعًا لمن سبقوه، وإن تميّزَ بإضافاته وجديده. والمتنبي أستاذ أبي العلاء، قد عالج قضايا الفلسفة من قبله، وتحدث عن الجبر والخير والشر، وفساد النظم السياسية والاجتماعية، ودعا إلى تغيير الأحوال القائمة، بل أبدى أن الحياة كلها شرٌّ، حتى بالغ بعض كبار الباحثين فحسبه من المتشائمين أو من مؤسسي الفلسفة المتشائمة في الأدب العربي" ( [10] )

ولعل من بوادر تشاؤم المعري علّة العمى، التي كان يكابر فيها، ويراها نعمةً، لا يحاول تجاوزها. وقد ذكر الثعالبي في يتيمة الدهر (1/9) أن الشاعر المصيصي قال:"لقيت بمعرة النعمان عجبًا من العجب. رأيت أعمى شاعرًا ظريفًا يلعب الشطرنج والنرد، ويدخل في كل فنٍّ من الجد والهزل، يُكنّى أبا العلاء، وسمعته يقول: أنا أحمدُ الله على العمى كما يحمده غيري على البصر، فقد صنع لي، وأحسنَ بي، إذْ كفاني رؤية الثقلاء البغضاء."

ويروي ابن العديم عن والده أنه سمع عن مشايخ أهل حلب، في معرض الكلام على ذاكرة المعري العجيبة وذكائه الخارق، أن المعري"مرَّ وهو راكب بشجرةٍ في طريقه إلى بغداد، فقال له من يقود ناقته:"طأطئ رأسك"ففعل، حتى إذا آبَ من الرحلة بعد عام مضى وبعض عام، ومرّ بذلك الموضع، طأطأ رأسه من تلقاء نفسه، فسُئل في ذلك فأجاب:"ها هنا شجرة"قالوا:"ما ها هنا شيء"ثم فحصوا الموضع فإذا أصل شجرةٍ مجتثة" ( [11] ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت