ومما تجدر ملاحظته في البيت المذكور أن لفظ (حمراء) لكي يظهر سطوعه جعل ذيوله تسطع في الدجى الأسود، ومن ثم ختم البيت بالطراف وهو الأدم الأحمر... وربما كان هذا التلوين يعبّر عن الانفعال العميق الذي تملّك المعري وهو يصوغ صورته الشعرية التي تمتد بأسبابٍ إلى الصحراء العربية. هذه الصحراء التي كان يذهب إليها أترابه لتستقيم ألسنتُهم، وتَبينَ فصاحتهم، ولما حُرم منها عمل على اصطناعها، تعويضًا أجمع عليه دارسوه، ومنهم الدكتورة بنت الشاطئ التي لم تشك"في أن محنته هي التي اقترحت عليه عملية التعويض عن محن الدنيا، في رؤيا عالمه الآخر: فليس يكفيه أن يصير الأعشى أحور، والأعمى بصيرًا، والهرم شابًا، وإنّما يعوّض الذي امتُحن في الدنيا بعاهة أو بلوى، تعويضًا لا يقترح مثله سوى ضريرٍ مبتلى محروم: فأحَدُّ أهل جنته [في رسالة الغفران] هم الذين حُرموا نعمة البصر في الدنيا، وأجملهم عيونًا (عوران قيس) . وأطيب نسائها نشرًا امرأة كانت في الدنيا تُدعى (حمدونة الحلبية) طلّقها زوجها، بائع السقط من المتاع، لرائحةٍ كرهها في فمها، وأنصعهن بياضًا أَمَةٌ تُدعى (توفيق السوداء) كانت تخدم في دار العلم ببغداد" ( [9] ) .
ثم لننظر كيف أن السواد تضادّ مع البياض في نهاية النص، ليظهر ويبين حسب القاعدة المعروفة، والضدّ يُظهر حسنه الضدّ، وهذا طبيعي أن يكون الأسود والأبيض متقابلين في رؤية الأعمى، لكن الصورة التي سبقتها حين سطع الأحمر في الأسود، هي من غير المألوف، ونجده يكرّرها في أكثر من موضع كما في قوله:
ألفنا بلاد الشام إلفَ ولادةٍ